حجم الخط:

الأسلوب الثاني: التهديد بمنازلة الرسول ﷺ وعمه أبي طالب:

ولما مضى رسول الله على ما هو عليه، يُظهر دين الله ويدعو إليه، غضبت منه قريش, وعادوه وحقدوا عليه وأكثروا من ذكره, وحض بعضهم بعضًا ومشوا إلى عمه مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلةً فينا،وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا. وأقسموا بأنهم لن يصبروا على أفعاله حتى يكفه عنهم أو ينازلوه وإياه في ذلك، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله لهم ولا خذلانه، ولذا أبلغ الرسول بالذي قالوه، وطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق [ابن إسحاق].

وفي رواية ضعيفةلابن إسحاق:أن الرسول ظن أن عمه قد ضعف عن نصرته، ولذا قال له: «يا عَمِّ، والله لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهِرُهُ الله أو أَهْلِكَ فيه، ما تَرَكْتُهُ»، ثم بكى رسول الله وقام من عند عمه، فلما ولَّى ناداه عمه، فقال: «أقبل يا ابن أخي»، فلما أقبل قال له: «اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أُسْلِمُكَ لشيء أبدًا». وفي رواية أخرى لابن إسحاق [بسند حسن] من حديث عقيل بن أبي طالب: أن أبا طالب أرسل عَقِيْلًا إلى النبي ، فلما حضر الرسول قال له عمه: «إنَّ بني عمك هؤلاء قد زعموا أن تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله ببصـره إلى السماء، فقال: «أَتَرَوْنَ هذه الشمس؟» قالوا: نعم، قال: «فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة»، فقال أبو طالب: والله ما كَذَبَنا ابن أخي،فارجعوا». وهذه الرواية هي الصحيحة.

ومن أبرز الحكم والعبر في هذين الأسلوبين، أن هذا الموقف القوي للرسول من قومه ينسجم مع ما أمر به من البلاغ. أما موقف أبي طالب فعجيب حقًا، ولم يجد ابن كثير [في البداية] تفسيرًا له سوى قوله: (إن الله تعالى قد امتحن قلبه بحب محمد حبًا طبيعيًا لا شرعيًا. وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه. ولتجرؤوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار.

وقد قسم خلقه أنواعًا وأجناسًا، فهذان العمان كافران: أبو طالب وأبو لهب. ولكن هذا يكون يوم القيامة في ضحضاح من نار، [إشارة إلى الحديث المتفق عليه عن العباس رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». والتخفيف عنه بسببه، والضحضاح: ما رق من الماء على جه الأرض، ما يبلغ الكعبين] وذلك أي أبو لهب في الدرك الأسفل من النار، وأنزل الله عزوجل فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر وتقرأ في المواعظ والخطب تتضمن أنه سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب).

وظل أبو طالب طوال حياته ينهى الناس عن إيذاء الرسول ويحميه وينأى عن الدخول في الإسلام. وقد روي أن الآية: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ [الأنعام: 26]، قد نزلت فيه [تفسير الطبري وابن الجوزي].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة