حجم الخط:

الأسلوب الرابع: السخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي على المؤمنين:

يقول الله تعالى عن سخريتهم من الذين آمنوا: ﴿ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴿٥٣﴾ [الأنعام: 53]. وروى البخاري: أن امرأة قالت للرسول ساخرة مستهزئة: «إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا!»، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَالضُّحَىٰ ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴿٢﴾ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴿٣﴾ [الضحى:1- 3].

وروى البخاري أن أبا جهل قال مستهزئًا: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم»، فنزلت: «﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣٢﴾ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿٣٣﴾ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الأنفال: 32- 34].

وذكر ابن إسحاق [في السيرة] حديث الإراشي الذي اشترى منه أبو جهل الإبل، ومطله بأثمانها، ودلالة قريش إياه على رسول الله لينصفه من أبي جهل، استهزاء لما يعلمون من العداوة بينهما. وعندما جاء الإراشي إلى الرسول شاكيًا، مشى معه إلى أبي جهل، وأخذ له بحقه. وعندما سألت قريش عن صنيعه هذا، قال: (ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب عليَّ بابي، وسمعت صوته، ملئت رعبًا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لَفَحْلًا من الإبل، ما رأيت مثل هَامَتِهِ [رأسه] ولا قصْـرَتِهِ [أصل عنقه] ولا أنيابه لَفَحْلٍ قَطُّ، والله لو أبيت لأكلني).

وقال الله تعالى عن ضحكهم وغمزهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ [المطففين: 29- 31].

وثبت من طرق صحيحة [في مسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وسيرة ابن إسحاق] أن أشراف قريش اجتمعوا يومًا في الحجر يتذاكرون أمر الرسول وما جاء به. وبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ليطوف بالبيت، فلما مرَّ بهم غمزوه ببعض القول ثلاث مرات، فقال لهم: «يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح...»، وقد فزعوا من هذا الموقف.

ومن منطلق الاستعلاء والسخرية، قال المشركون للنبي : «لا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون صهيبًا وبلالًا وخبابًا - فاطردهم عنك»، فهمَّ النبي بذلك طمعًا في إسلامهم وإسلام قومهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٢﴾ [الأنعام:52]، [الطبري: التفسير، أثر 13258، صحيح].

ومر الرسول يومًا بجماعة من زعماء قريش فهمزوه واستهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام:10], [ابن إسحاق].

ومن كبار المستهزئين والساخرين: الأسود بن عبد المطلب بن أسد، [ابن إسحاق]، الأسود بن عبد يغوث بن وهب الزهري، الوليد بن الغيرة المخزومي، العاص بن وائل السهمي، [ابن هشام]، الحارث بن الطلاطلة الخزاعي [ابن إسحاق]. وروى أبو نعيم، من حديث ابن إسحاق، أن الله تعالى أنزل فيهم: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿٩٥﴾ [الحجر: 95]. وروي أن جبريل رمى في وجه الأسود بن عبد المطلب ورقة خضراء فعمي.

ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه [أي أصابه مرض الاستسقاء] فمات من ذلك. ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح بِأَسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنين، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به حماره على نبات خفيف فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فتحرك القيح فيه فقتله [ابن إسحاق، مرسل صحيح].

والوليد بن المغيرة هو القائل: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؛ ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين![يعني مكة والطائف], فأنزل الله تعالى فيه: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، وللمفسرين أقوال أخرى في الرجلين المعنيين في الآية. [انظر: تفسير ابن كثير (7/ 212- 213)].

ومن كبار المستهزئين الساخرين - أيضًا -: أبو جهل وأمية بن خلف والنضـر ابن الحارث والأخنس بن شريق وأبي بن خلف [ابن هشام، وغيره].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة