حث الرسول ﷺ الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها وكثرة المشتركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله عز وجل. فأنفق كل حسب مقدرته، وكان عثمان ابن عفان أكثر المنفقين. ووردت في ذلك عدة أحاديث وآثار، منها:
روى البخاري: وقال النبي ﷺ: «... من جهز جيش العسرة فله الجنة»، فجهزه عثمان. وروى من حديث أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ أن عثمان رضي الله عنه قال لمحاصريه أيام الدار: «ألستم تعلمون أنه قال: من جهز العسرة فله الجنة؟ فجهزته»، فصدَّقوه بما قال، وروى من هذا الطريق وبنحوه الترمذي، ولفظه: «أذكركم بالله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة؟ والناس مجهدون معسـرون، فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم...». ومن طريق آخر له من حديث ثُمامة بن حَزْنٍ: «...أنشدكم الله وبالإِسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم».
وبلغت هذه المشاركة من عثمان ألف دينار. وعندما نثرها في حجر النبي ﷺ أخذ يقلبها ويقول مرارًا: «ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم». [نفسه].
وقيل إن عثمان رضي الله عنه قدم أشياء عينية كالإِبل وعدتها، وأنه تصدق بثلاثمئة بعير بأحلاسها وأقتابها [والأحلاس جمع حلس: وهو مايوضع تحت السـرج، والأقتاب: جمع قتب: وهو الرحل] [الحاكم]، وليس هناك ما يمنع ذلك، ما دام قد ثبت أن الصحابة قد أقروا له بتجهيز جيش العسرة، كما هو ظاهر الأحاديث والآثار التي ذكرناها.
وروي أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم، وهي نصف أمواله، لتجهيز جيش العسرة [تفسير الطبري]، وفي أنه تصدق بأربعة آلاف دينار، وهي أيضًا نصف ماله [نفسه]. وأن عمر تصدق بمائة أوقية. [ابن عساكر].
وتصدق العباس وطلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وعاصم بن عدي، كما ذكر الواقدي.
وتصدقت النساء بكل ما قدرن عليه من الأسورة والخلاخل والختم والأقراط، كنّ يضعنه على ثوب مبسوط بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله عنها. [الواقدي].
وقدم فقراء المسلمين جهدهم من النفقة على استحياء، ولذلك تعرضوا لسخرية وغمز ولمز المنافقين. فقد جاء أبو عُقَيل بنصف صاع من تمر، وجاء آخر بأكثر منه، فلمزوهما قائلين: «إن الله لغني عن صدقة هذا!! وما فعل هذا الآخر إلا رياء» فنزلت الآية: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ﴾[التوبة:79] [البخاري].
وجاء أبو خَيثَمَة الأنصاري بصاع تمر فلمزوه أيضًا [مسلم]، ولعله هو المعني أيضًا في حديث الطبري [التفسير] في إنفاق ابن عوف، وفيه أن رجلًا من الأنصار قال: «... وإن عندي صاعين من تمر: صاعًا لربي، وصاعًا لعيالي»، فلمزه المنافقون، وقالوا: «ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياء»، وقالوا: «أو لم يكن الله غنيًا عن صاع هذا؟» فأنزل الله الآية: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
وواضح من هذا أنهم يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من صدقة الفقراء.
وروي أن عُلْبَة بن زيد بن حارثة عندما لم يجد ما يتصدق به، جاء إلى الرسول ﷺ فقال: «اللهم إنه ليس عندي ما أتصدق به، اللهم إني أتصدق بِعِرْضِي على من ناله من خلقك»، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا فنادى أين المتصدق بعرضه البارحة، فقام علبة، فقال الرسول ﷺ: «قد قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ». [الإصابة - وعلبة المذكور ليس من ولد زيد مولى النبي ﷺ].
لقد كان علبة بن زيد [الحارثي الأنصاري] واحدًا من سبعة رجال من المؤمنين عرفوا بـ(بالبِكَّائِيْن)، أتوا رسول الله ﷺ يطلبون منه ما يخرجون عليه معه في هذه الغزوة، فلم يجد ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون. [ابن إسحاق].
وأرسل جماعة من الأشعريين أبا موسى الأشعري إلى الرسول ﷺ يطلبون منه ما يركبونه، فكان في لحظة غضب، فلم يحصل لهم منه على شيء، فعاد إليهم حزينًا. وبعد قليل أرسل الرسول ﷺ بلالًا إلى أبي موسى، فجاءه، فأعطاه ستة أبعرة ابتاعهن من سعد ليركبها مع أصحابه الأشعريين [البخاري]، وفي رواية أنه أعطاهم خمس ذَوُد عندما أُتيَ بِنَهْبِ إبل. [نفسه].
وذكرت بعض الروايات أنه نزل في البكائين والأَشْعَرِيِّين قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٩١﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴿٩٢﴾ ﴾[التوبة:91-92] [تفسير الطبري].
إنها صورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد على عهد الرسول ﷺ، وما كان يحسه صادقو الإيمان من ألم إذا ما حالت ظروفهم المادية بينهم وبين القيام بواجباته، وكان هؤلاء المعوزون وغيرهم ممن عذر الله لمرض أو كبر سن أو غيره يسيرون بقلوبهم مع المجاهدين، وهم الذين عناهم الرسول ﷺ عندما قال: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر». [البخاري].