حجم الخط:

الخامس: أثر القرآن الكريم في الصلاة الخاشعة على الجسم:

لقد توصلت الأبحاث العلمية الطبية الحديثة إلى أن الخشوع في الصلاة يؤدي إلى تنشيط واضح في المراكز التي لها علاقة بالمشاعر الإيجابية كالرحمة والشفقة.

عرضت هذه النتيجة في البرنامج الذي يقدمه أحمد الشقيري، بعنوان: (خواطر)، في رمضان عام (1435هـ). وخلاصة التجربة كالتالي:

وضع مادة: [Radio active] في الدم. تسير هذه المادة في الدورة الدموية إلى المخ، يتم بعد هذا عمل صورة للمخ، ثم يوضع في جهاز لمدة ساعة أو (45) دقيقة، ثم تؤخذ صورة للمخ، وبعدها يصلي المتطوع صلاة بدون خشوع، وبعدها تؤخذ صورة للمخ، والنتيجة لا يوجد تغيير، وبعدها قام المتطوع بأداء صلاة خاشعة، ويتم عمل صورة للمخ، وهنا كانت المفاجأة بوجود تغير جذري في المخ، يتمثل في الآتي:

1- قل النشاط في الجزء المخصص للتفكير، أي أصبح أقل حيوية.

2- قامت وظائف الجسم بالاستسلام للنشاط الذي تقوم به -وهو الصلاة-. فقراءة الآية: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ بخشوع، عنيت الاستسلام النفسي والروحي لمالك هذا اليوم، وهو الله سبحانه وتعالى، وقراءة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿٥﴾ : استسلام المصلي لله تعالى أثناء الصلاة الخاشعة. ويدعو: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ دعوة: يا الله بعدما أخرج من الصلاة وأعيد تنشيط الجزء الأساسي من حياة الإنسان، وهو التفكر.

وعندما أرجع وأفكر في أمور حياتي والمشاكل: أهدني الصراط المستقيم. فالخشوع يؤدي إلى تنشيط واضح في المراكز التي لها علاقة بالمشاعر الإيجابية كالرحمة والشفقة.

إن تكرار الاسمين: الرحمن، الرحيم، من أسماء الله الحسنى، في كل ركعة، يجسد مفهوم الرحمة الإلهية، وبالتالي إذا صلى الإنسان بخشوع تتجسد هذه الرحمة في دماه، وهذا مؤشر إلى أن الإنسان الخالي من الرحمة، والذي يصلي خمس مرات على الأقل في اليوم، ليسال نفسه قائلًا لها: ماذا فعلت صلاتك لهذا الجزء من دماغك، لِم لَم تنشطه؟! ويؤدي الخشوع أيضًا إلى الانخفاض الواضح في نشاط الجزء السفلي، والذي يتناسب مع مشاعر الاستسلام.

إن التواصل والصلة تزيد في الصلاة، تزيد الصلة بالله، ويقل الجزء المسئول عن الاستقلالية في الدماغ، فتزيد صلة العبد بربه. إن ما يحدث في الدماغ ووظائف العقل، هو تمامًا ما تعنيه أول سورة في القرآن، وهي الفاتحة.

وصدق الله العظيم القائل: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴿٤٥﴾ [العنكبوت:45].

وهناك تجربة عملية عن أثر الدعاء -الابتهال إلى الله تعالى-، وتلاوة القرآن، والصلاة الخاشعة -صلاة الحاجة- في شفاء مريض السرطان.

(طبيب مسلم يكتشف سرًا هامًا في لندن لعلاج مريض من سرطان الدم)، تحت هذا العنوان نشرت مجلة الاعتصام [عدد صفر (1406هـ/ نوفمبر وديسمبر 1985م)]، قصة فحواها: أن أحد مرضى السرطان -باكستاني- في بريطانيا، كشفت التحليلات المختلفة عن انتشار مرض سرطان الدم في جسمه بشكل ملحوظ، مما دعا الاستشاري البريطاني بالمركز العالمي إلى استبقاء المريض بالمركز وإعطائه العلاج المناسب للحد من انتشار المرض، ومحاولة السيطرة عليه، وعندما علم المريض بحقيقة مرضه ومدى خطورته التي تكمن في عدم إمكان السيطرة على المرض، وأن وفاته ستكون خلال فترة محدودة، عندما علم المريض بهذه الحقائق الطبية، اتجه إلى الله تعالى بالدعاء وتلاوة القرآن والصلاة الخاشعة، مؤمنًا بأن شفاءه في القرآن: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ ، ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ [الإسراء:82].

ومن العجيب -والكلام هنا للدكتور سالم اليافعي، مساعد الاستشاري البريطاني- أن أحد المرضى، وهو بريطاني الجنسية، كانت لديه الحالة نفسها تقريبًا، وعندما علم بتفاصيلها انهار تمامًا، ونقص وزنه، وضعف بدنه حتى مات بعد ستة شهور، في حين أن المريض المسلم المؤمن بربه، كانت التحليلات الأسبوعية تثبت وقف انتشار المرض وانتهاءه بعد أقل من ستة أشهر، خرج بعدها من المستشفى متوجهًا إلى بيت الله الحرام ليؤدي عمرة الشكر لله تعالى.

فالدعاء واللجوء إلى الله تعالى بصدق ويقين وإيمان يثير ويفجر قوى سرية في جسم الإنسان تقوى بها مناعته، وذلك بفرز هرمونات ومواد كيميائية داخلية تضفي عليه حيوية عجيبة، وهذا مما دفع د. اليافعي إلى تقديم بحث بعنوان: (القرآن والسـرطان)، في المؤتمر العالمي الثالث للطب الإسلامي، الذي عقد في تركيا، في أكتوبر (1984م)، تناول فيه تأثير القرآن في المعالجات الطبية للأمراض، لاسيما السرطان [د. محمد كامل عبد الصمد: الإعجاز العلمي في الإسلام - السنة النبوية، (ص 155-156)].

ويقول الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي [في كتابه: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة آيات الله في الإنسان، (ط5)، (ص 370)] عند كلامه عن (العبادات شفاء من أمراض كثيرة): (ولا أنسى أن امرأة ذهبت إلى بلد غربي لتعالج من مرض، ألا وهو داء الشقيقة -الصداع النصفي-، آلام مستمرة في الرأس، طبيب لا يعرف الله عز وجل سألها: من أين أنت؟ فقالت: من سورية، قال: أتصلين؟ قالت: لا، فقال: صلي يذهب ما بك! فعجبت وانزعجت، عجبت من أنها ركبت الطائرة، ودفعت آلاف الليرات ليقال لها: صلي، ولكنها لم تعجب حينما بين لها الطبيب أن أحد أسباب الشقيقة ضعف في تروية الشرايين في الدماغ، وأن السجود يوسع هذه الشرايين، ويجعل الدم يتدفق نحو الرأس، فبهذا السجود، وذاك الركوع، وهذا الوضوء، هذا كله في أصله عبادات، وقربات، واتصال بالله، ولكن لو درسه علماء اختصاصيون، وعلماء في التربية البدنية، وعلماء في أمراض الأوعية والشرايين لوجدوا العجب العجاب).

ويذكر د. النابلسي [المرجع السابق، (ص 119)]: أن ثمة دراسة أجريت في جامعة أمريكية عن أثر الصلاة والدعاء في تخفيف الآلام، والدراسة موضوعية (100%)، والتعليل الطبي: هناك بوابات للألم، والألم له مسار من النهايات العصبية إلى النخاع الشوكي، على البصلة السيسائية، إلى قشـرة الدماغ، هذا طريق الآلام، وعلى هذه الطريقة بوابات.

هذه البوابات تتحكم بها الحالة النفسية للمريض، فإذا كان مؤمنًا، وراضيًا بقضاء الله وقدره، أغلقت هذه البوابات، فلم يصل من الألم إلى قشرة الدماغ إلا النزر اليسير، وهذا شيء ثابت، فالذي يتمتع بإيمان قوي تكون آلامه الحسية الناتجة عن بعض الأمراض أقل بكثير، لأن بوابات الألم مغلقة عنده، وهذا ما أكدته هذه الدراسة، فالعلاج عن طريق الصلاة والدعاء يخفف الآلام التي يتحسسها المريض العادي، وتأثر إيجابيًا (57%) ممن شارك في التجربة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة