1- ربما يتساءل المرء: فيم هذا العذاب الذي لقيه الرسول ﷺ وأصحابه وهم على الحق؟ ولماذا لم يعصمهم الله تعالى منه وهم جنوده وفيهم رسوله؟ والجواب: أن أول صفة للإنسان في الدنيا، أنه مكلف، وأمر بالدعوة إلى الإسلام والجهاد لإعلاء كلمته من أهم متعلقات التكليف، والتكليف من أهم لوازم العبودية لله تعالى. وعبودية الإنسان لله عز وجل ضرورة من ضرورات ألوهيته عز وجل، ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ ﴾[الذاريات:56].
فقد استلزمت العبودية- إذًا - التكليف، واستلزم التكليف تحميل المشاق ومجاهدة النفس والأهواء، والصمود في وجه الفتن والابتلاءات.
والفتنة والابتلاء هما الميزان الذي يميز الصادق عن الكاذب، وفي ذلك يقول المولى عز وجل: ﴿ الم ﴿١﴾ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾ ﴾[العنكبوت: 1- 3]، ويقول: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢﴾ ﴾[آل عمران:142].
وما دام الأمر كذلك فلا ينبغي للمسلم أن يتوهم اليأس إذا ما عانى شيئًا من المشقة والمحنة. بل العكس هو المنسجم مع طبيعة هذا الدين، أي إن على المسلمين أن يستبشروا بالنصر كلما رأوا أنهم يتحملون مزيدًا من الضر والنكبات سعيًا إلى تحقيق أمر ربهم عز وجل، ويتجلى برهان ذلك في قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴿٢١٤﴾ ﴾[البقرة:214] [البوطي: فقه السيرة].
2- المقرر عند علماء المسلمين أن الأخذ بالعزيمة في ميدان الإكراه أولى من الرخصة، وأن أخذ الأئمة والقادة بالعزيمة هو الأولى والأجمل. ويعتبر الفقهاء الإكراه بمدى قدرة المكره على إيقاع ما هدد به [الموصلي: الاختيار لتعليل المختار].
وإن أخذ عامة المسلمين بالرخصة ليس دليلًا على فساد في العقيدة، بدليل قول الرسول ﷺ لعمار بن ياسر: «إن عادوا فعد»، أي إذا عادوا وطلبوا منك ذكر آلهتهم بخير، فاذكرها، ما دام قلبك مطمئنًا بالإيمان [زهير سالم: عثرات].
يقول ابن كثير [في التفسير]، في تعليقه على موقف عمار بن ياسر من التعذيب: (ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالي المكره على الكفر، إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل،... وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري [رسول رسول الله ﷺ الى مسيلمة]، لما قال له مسيلمة الكذاب: «أتشهد أن محمدًا رسول؟» فيقول: «نعم» فيقول: «أتشهد أني رسول الله؟» فيقول: «لا أسمع». فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك... والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي...). فقد عرض على الموت مرتين ولم يتزعزع.
وفي تعليقه على الموقف ذاته قال ابن الجوزي [في تفسيره]: (الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها. وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان إحداهما: أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به. والثانية أن التخويف لا يكون إكراهًا حتى ينال بعذاب. وإذا ثبت جواز «التقية»، فالأفضل ألا يفعل...).
ويرى بعض السلف أمثال معاذ بن جبل رضي الله عنه ومجاهد رحمه الله أن مثل هذه التقية كانت في بدء الإسلام، قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم [تفسير البغوي].
إن في مواقف المؤمنين - بمختلف قبائلهم - وثباتهم على دينهم ورضاهم بجوار ربهم، مثلًا عاليًا في التوكل على الله تعالى، ولن ينسى التاريخ تلك المواقف الإيمانية البطولية لهؤلاء المسلمين الأوائل، الذين كانوا قدوة لأصحاب المبادئ في كل زمان ومكان.
إن أعداء الإسلام في كل زمان ومكان، لم يكفوا ولن يكفوا عن استخدام كافة الوسائل والأساليب لإطفاء نور الإسلام ومحاربة دعاته، وربما تتجدد الأساليب والوسائل، ولكنها لا تخرج في مضمونها عن تلك الأساليب التي مارسها كفار قريش ضد المسلمين المستضعفين بمكة.
وسيطول بنا الشرح إذا وقفنا عند كل أسلوب، وذكرنا له أمثلة من واقع حركة الإسلام وسط المجتمعات والشراذم الرافضة لتحكيم شرع الله عز وجل.
كان من جليل حكمة الله تعالى أن يقوم مشركو قريش بسلسلة من المساومات مع الرسول ﷺ بعد أن صوَّروا في أنفسهم كل ما يمكن أن يظنوه سببًا أو هدفًا وراء دعوته، ورفض الرسول ﷺ قبول كل العروض التي قدموها له مقابل أن يتخلى عن دعوته ليثبت للتاريخ أن هدفه شيء واحد، وهو الإسلام، وليقطع الطريق أمام المتشككين في أهداف دعوته ﷺ، أو فهموا فهمًا مغايرًا لما كشفت عنه تلك اللقاءات بين الرسول ﷺ وبين مساوميه من الكفار، وكانت سيرته ﷺ فيما بعد تأكيدًا ودليلًا على أنه لم يكن يطلب شيئًا غير الإسلام [البوطي: السيرة].