حجم الخط:

الفصل السادس عشر: عمرة القضاء

خرج رسول الله ﷺ والمسلمون إلى مكة في ذي القعدة من العام السابع الهجري، لأداء العمرة، حسب الشروط التي تمت في صلح وهدنة الحديبية. [ابن إسحاق، دلائل البيهقي من حديث ابن عقبة وعروة؛ والفسوي، بسند حسن، كما ذكر ابن حجر في الفتح].

فقد روى البيهقي [الدلائل، من حديث ابن عقبة عن الزهري]، وابن سعد، أن المسلمين صحبوا معهم أسلحتهم، ووضعوها بِيأْجِج، خارج الحرم، ودخلوا بسلاح الراكب، السيوف، كما هو الشرط.

لقد بلغ عدد من شهد عمرة القضاء ألفين سوى النساء والصبيان، منهم الذين شهدوا الحديبية. [ابن حجر: الفتح، عن الحاكم في الإكليل].

وعندما دخل الرسول ﷺ مكة، كان عبد الله بن رَوَاحَة ينشد بين يديه:

خَلُّوا بني الكفار عن سبيله

ضربًا يزيل الهام عن مقيله

اليوم نضـربكم على تنزيله

ويذهل الخليل عن خليله

[الترمذي، حسن غريب]

وعندما أشاعت قريش أن المسلمين ضعفاء بسبب حمى يثرب، أمر الرسول ﷺ أصحابه أن يرملوا ويسارعوا بالعدو في الأشواط الثلاثة الأولى من طوافهم، وأن يسعوا بين الصفا والمروة مهرولين، ليرى المشركون قوتهم [متفق عليه]. ففعلوا ما أمروا به، فرأتهم قريش وهي مُصْطَفَّة على جبل قُعيقُعان، في مواجهة ما بين الركنين، فتعجبوا من قوتهم [البخاري، أحمد بسند صحيح]، وقالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أَجْلَد من كذا وكذا. [مسلم].

وعندما فرغ رسول الله ﷺ من أداء مناسك العمرة، أمر جماعة من الصحابة أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يَأْجِج فيقيموا على السلاح ويأتي الآخرون الذين كانوا في حراسة السلاح ليقضوا نسكهم، ففعلوا، ثم دخل ﷺ الكعبة ومكث بها إلى الظهر، ثم أمر بلالًا فأذن على ظهر الكعبة. [ابن سعد].

وعندما انقضت الأيام الثلاثة، جاءت قريش في صباح اليوم الرابع إلى علي رضي الله عنه، فقالوا: «قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل». فخرج النبي ﷺ [البخاري] ونزل بِسَرف، فأقام بها إلى أن تتامَّ الناس، ثم انصرف إلى المدينة المنورة في ذي الحجة. [نفسه].

وفي هذه العمرة تزوج ﷺ بميمونة بنت الحارث العامرية - أخت أم الفضل زوج عمه العباس - فبنى بها ﷺ بسرف [نفسه]. والراجح أن هذا الزواج كان بعد أن تحلل الرسول ﷺ من إحرامه. [مسلم وغيره].

وكانت ميمونة تحت أبي رِهْم بن عبد العزى، وقيل: تحت أخيه حُوَيطِب، وقيل سَخْبُرة بن رِهْم. [نفسه].

ولما أراد الرسول ﷺ الخروج من مكة، تبعتهم الطفلة عمارة ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فأخذها علي ودفعها لفاطمة، وهي ابنة عمه، فاختصم فيها على وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهتَ خَلقي وخُلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» [البخاري؛ أبو داود]، وكان هذا القضاء لأن جعفر محرم لها، إذ لا يجمع الرجل بين المرأة وخالتها في الزواج. [الفتح].

وفي هذه القصة من الفقه: أن الخالة مقدمة في الحضانة على سائر الأقارب بعد الأبوين.... وفيها حجة لمن قدم الخالة على العمة، وقرابة الأم على قرابة الأب، لأن الرسول ﷺ عندما قضى بعمارة لخالتها فقد كانت صفية عمتها موجودة إذ ذاك، وهذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الثانية: إن العمة مقدمة على الخالة، وهو اختيار الشيخ ابن القيم [الزاد].

عرفت هذه العمرة بعدة أسماء، كل واحد منها يشير إلى جزء منها من أحداثها، فكونها عرفت بعمرة القَضَاء أو القَضِيَّة نسبة للمقاضاة التي وقعت بين المسلمين وكفار قريش بنص كتاب صلح وهدنة الحديبية، أو بعمرة القضاء، لأنها كانت قضاء عن العمرة التي تحللوا منها لِما حبسهم من حابس في صلح الحديبية، وعمرة القصاص. [انظر في هذا كله: سيرة مغلطاي].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة