حجم الخط:

المبحث الأول: بناء المسجد

كان رجال من المسلمين يصلون في ذلك المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول ، وكان مِرْبَدًا للتمر لِسُهَيل وسَهْل، غلامين يتيمين من بني النجار، في حِجْر أسعد ابن زرارة، فقال رسول الله حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل». ثم دعا رسول الله الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: «بل نهبه لك يا رسول الله». فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. [البخاري]. وفي رواية أخرى [للبخاري]، أنه عندما أمر ببناء المسجد، أرسل إلى ملأ بني النجار، وعندما جاؤوه، قال لهم: «يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا»، فقالوا: «لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله».

قال ابن حجر [في الفتح]: (واحتج من أجاز بيع غير المالك بهذه القصة لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين، وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجار، فساومهما وأشرك معهما في المساومة عمهما الذي كانا في حجره، كما تقدم في الحديث...).

وفي الصحيح أن مكان المسجد كانت فيه قبور المشـركين، وكانت فيه خِرَبٌ، وكان فيه نخل. فأمر رسول الله بقبور المشـركين فَنُبِشَتْ، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عِضَادَتَيهِ حجارة، وجعلوا ينقلون ذلك الصخر [البخاري].

وطفق رسول الله ينقل معهم اللبن لبنيانه، ويقول وهو ينقله:

هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبر

هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وأَطْهَر

ويقول:

اللهم إن الأَجْرَ أَجْرَ الآخرة

فارحم الأنصارَ والمُهاجِرَة

وفي رواية أنهم كانوا ينقلون الصخر ويرتجزون ورسول الله معهم، يقولون:

اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة

فانصـر الأنصار والمهاجرة

[البخاري]

وقال قائل من المسلمين في ذلك:

لئن قعدنا والرسول يعملْ

ذَاك إذًا لَلْعَمَلُ المُضَلِّلْ

[ابن حجر: الفتح]

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

لا يستوي من يَعْمُرُ المساجدا

يَدْأَبُ فيها قَائِمًا وقاعِدا

ومن يُرَى عن التراب حَائِدَا [البخاري]

وكان الرسول يقدم في العمل من يجيد جانبًا منه. ففي حديث طَلْقٍ بن علي اليمامي الحنفي أن الرسول كان يقول للعاملين في بناء المسجد من الصحابة، «قربوا اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسًا، وأشدكم له سَبْكًا». وفي رواية: «فأخذت المسحاة فخلطت الطين فكأنه أعجبه، فقال: دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين». [ابن حجر: الفتح]، وفي رواية البيهقي [في الدلائل، بسند صحيح]: «قربوا اليمامي من الطين، فإنه من أحسنكم له بناء».

وكان عمار بن ياسر من أنشط العاملين في البناء، فبينما كان كل واحد يحمل لبنة، كان عمار يحمل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن الرسول ، فمسح رسول الله ظهره، وقال: «ابن سمية: للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن، وتقتلك الفئة الباغية». [مسلم وأحمد].

وهذا الحديث من دلائل النبوة، لأن عمارًا قتل في الفتنة التي نشبت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وكان في جيش علي، فقتله جنود معاوية رضي الله عنه، ومات بالكيفية التي ذكرها الرسول . وقد أجاد ابن كثير [في البداية] وابن حجر[في الفتح] في شرح هذا الحديث. وقتله أبو الغادية، كما في الإصابة.

واستغرق البناء اثني عشر يومًا [البيهقي: الدلائل]، وبعد الفراغ منه، بنيت حجر لأزواج النبي بنفس كيفية بناء المسجد. وبعد اكتمالها انتقل الرسول إليها من بيت أبي أيوب، فكان لسودة بنت زمة بيت وآخر لعائشة رضي الله عنها: [ابن حجر: الفتح، من رواية الطبراني]، وهما أول بيتين بنيا، ثم تتابع بناء حجر نسائه الأخريات كلما تزوج بواحدة منهن؛ وكانت قصيرة البناء قريبة الفناء. [البخاري المفرد، بسند صحيح وغيره]، بعضها مبنية من جريد وطين، وبعضها من حجارة مرصوصة، وسقفها من جريد. [ابن أبي الدنيا برقم 244 صحيح، المفرد برقم 451 بسند صحيح، الشعب؛ الحلية]، وقيل: كانت من شعر - شجر - مربوطة بخشب من عرعر - شجر السـرو [نفسها] - ولم يكن لأبوابها حلق. [نفسها]. وقد أضيفت هذه البيوت إلى المسجد بعد موت أزواج الرسول ، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك [نفسها، والشامي في السبل]. [وانظر النت عن وصف مكونات حجر وبيوت زوجاته ].

وفرض الأذان بالكيفية التي عليها الآن، في السنة الأولى على الأرجح، وذلك عندما رأى عبد الله بن زيد رضي الله عنه في منامه صيغة الأذان، فأمر الرسول بلالًا فأذن بها، وعندما سمعه عمر رضي الله عنه جاء إلى الرسول . وقال إنه رأى ما رأى عبد الله ابن زيد. [الألباني: صحيح الترمذي].

ظل المسجد على حاله الذي بناه عليه الرسول ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر بأن أعاد عمده وجعلها خشبًا، وحمى سقفه من المطر، ثم غيره عثمان رضي الله عنه فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه من ساج [البخاري. والساج نوع من الأخشاب الهندية].

وحذر عمر من تحمير وتصفير المسجد حتى لا يفتن الناس، وكره أنس المباهاة في تعمير المساجد بالتزيين، وعاب على الناس عدم تعميرها بالصلاة. [البخاري].

ولم يكن في مسجد النبي أول ما بُني منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي يخطب الناس وهو مستند إلى جذع نخلة عند مصلاه، فلما اتخذ للرسول منبر وعدل إليه ليخطب عليه، خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العِشَار، لما كان يسمع من خطب الرسول عنده، فرجع إليه النبي فاحتضنه حتى سكن كما يسكن المولود الذي يُسَكَّت [البخاري]، وهذا من دلائل نبوته . [والعشار: الناقة الحامل لعشرة أشهر].

وروى الدارمي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن المسجد ارتج لخواره، وكثر بكاء الناس حتى وضع النبي يده عليه فسكت، وقال: «إن هذا بكى لما فقد من ذكر الله، والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة»، ثم أمر به فدفن تحت المنبر.

وما أحسن ما قال التابعي الحسن البصري بعد رواية هذا الحديث عن أنس، قال باكيًا: (يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله شوقًا إليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه؟). [البيهقي: الدلائل].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة