المبحث التاسع: عناية الله له وحفظه من أمور الجاهلية
لقد شارك الرسول ﷺ في إعادة بناء الكعبة عندما تهدمت. فكان ينقل معهم الحجارة للبناء وعليه إزاره. فاقترح عليه عمه العباس أن يجعل إزاره على منكبيه ليقيه الحجارة. وعندما فعل ذلك، سقط مغشيًا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانًا.
وكان يومًا ينقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، وذلك عندما كان صغيرًا يلعب مع أترابه غلمان قريش، فأخذ إزاره فجعله على رقبته ليحمل عليه الحجارة، فتعرى، وحينها لكمه من لم يره لكمة موجعة، وقال له: «شد عليك إزارك»، فشده عليه، وذلك دون غيره من الغلمان الذين كانوا معه.
وروي أن الله تعالى عصمه مرتين عندما حاول أن يسمر كما يسمر الشباب. ولكن اختلف العلماء في تصحيح هذا الخبر. فبينما صححه الحاكم والذهبي وغيرهما، ضعفه ابن كثير [في البداية] والألباني [في دفاع]، لعلل ذكروها، وحججهما قوية.
وخالف الرسول ﷺ قومه من أهل الحرم الذين عرفوا بـ(الحمْس)، إذ كان يفيض مع الناس من عرفات حيث كانت الحمس تفيض من مزدلفة (جُمَع). وقد تعجب جُبَيْر ابن مُطْعِم من الرسول ﷺ لهذا الفعل، كما روى الشيخان، وكان ذلك توفيقًا من الله تعالى له، كما قال جبير بن مطعم بعد إسلامه، وكما روى ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن]. [والحُمْس: هم أهل الحرم ومن ولدوا من العرب من ساكني الحل والحرم ومن دخل معهم من العرب مثل كنانة وجديلة، رأوا أن لهم منزلة فوق منزلة بقية العرب؛ ولذلك ميزوا أنفسهم عنهم بأن تركوا الوقوف بعرفات والإفاضة منها، وقيل: سمّوا حمسًا لأنهم اشتدوا في دينهم على زعمهم، مأخوذ من الحماسة، وهي الشدة].
وجاء الإسلام، فوضع الله تعالى أمر الحمس وما كانت قد ابتدعته قريش، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾[البقرة:199].
وروى البيهقي [في الدلائل بسند حسن] أنّ الرسول ﷺ ما استلم صنمًا قط، وكان ينهى عن ذلك في الجاهلية. ورفض أن يمس صنم إِسَاف أو نَائِلَة عند طوافه، كما كانت عادة أهل الجاهلية.
وروى ابن إسحاق [في السيرة] أن بَحِيْرَى الراهب عندما حلف باللات والعزى، متابعة لقريش في طريقة حلفهم، قال له النبي ﷺ: «لا تسألني باللات والعزى شيئًا، فوالله ما أبغضت بغضها شيئًا قط».
وحفظه الله عز وجل من كيد الشياطين، في الجاهلية والإسلام.
ورفض الرسول ﷺ أن يعتكف عند صنم بوانة - حيث كان لقريش عيد عنده مرة كل عام - فغضب منه عمه أبو طالب وعماته غضبًا شديدًا، فعندما هم بمطاوعتهم عصمه الله تعالى من مس الأصنام، حيث تمثل له رجل أبيض طويل منعه من مسها، فلم يشارك في عيد لهم في حياته.
وروى البيهقي [في دلائله، بسند حسن، كما قال طرهوني]، أن ملكين منعاه أن يشهد مع المشركين مشاهدهم، فانتهى عن ذلك.
ومن أبرز الحكم والعبر من أخبار عناية الله وحفظه من أمور الجاهلية:
1- إن في هذه الأخبار دليلًا على أن الرسول ﷺ كان مصونًا عما يستقبح من أمور الجاهلية قبل البعثة وبعدها، وذلك من حماية الله تعالى له عما يسيء إلى شخصه ودعوته.
2- إن من الأمور المستقبحة عند الله تعالى التعرِّي بحضـرة الناس. وقد حرم الإسلام ذلك إلا للضرورة، مثل العلاج ونحوه كما قال ابن حجر في [الفتح].
3- إن عصمة الله تعالى له من ممارسة أفعال الجاهلية لدليل عن تهيئة الله تعالى له لأمر جليل.