المبحث الثالث: سرية كُرْز بن جابر الفهري إلى العُرَنِييِّن:
قدم على رسول الله ﷺ جماعة من عُكَل وعُرَيْنَة, في شوال من العام السادس الهجري [ابن سعد؛ الواقدي], وتكلموا بالإسلام, فقالوا: يا نبي الله, إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف, واستوخموا المدينة, فأمر لهم رسول الله ﷺ بِذَوْدٍ وراع, وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها ويتمسَّحوا بأبوالها, فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحَرَّة كفروا بعد إسلامهم, وقتلوا راعي النبي ﷺ، واستاقوا الذَّوْد. [والذود: الإبل إذا كانت ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل ما بين الثنتين إلى التسعة، وهي من الإناث دون الذكور].
فبلغ النبي ﷺ خبرهم فبعث الطَّلَبَ في آثارهم, فقبضوا عليهم, فأمر بهم فسمروا أعينهم, وقطعوا أيديهم وأرجلهم, وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة راوي الحديث-: (بلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المُثْلَة) [البخاري], وقال في رواية أخرى: (إن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود) [نفسه].
وقال أبو قلابة في حديثه: «هؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم, وحاربوا الله ورسوله». [متفق عليه].
قال الجمهور إن آية الحرابة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ﴾[المائدة:33] قد نزلت في هؤلاء العرنيين [فقه السنة]. وقيلت أسباب أخرى في نزولها. [الطبري: التفسير].
ومما يستفاد من أحداث هذه السرية أيضًا, أن العلم الحديث قد كشف عن الفائدة الطبية العلاجية لأبوال الإبل وألبانها, مثلما قاله الرسول ﷺ, وفي ذلك لأولي الألباب دليل آخر من بين مئات الأدلة على نبوة محمد ﷺ. وسنذكر هذا الكشف في مكانه من فضل المعجزات النبوية.