حجم الخط:

المبحث الثاني: سرية أبي قتادة إلى بَطْن إضَم

[بين ذي خشب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد]

بعث رسول الله سرية إلى إضم فيها أبو قتادة ومُحَلِّم بن جَثَّامَة بن قيس، حتى إذا كانوا ببطن إضم مر بهم عامر بن الأَضْبَط الأشجعي، فسلم عليهم بتحية الإسلام، فأمسكوا عنه، ومع ذلك حمل عليه محلم فقتله لشيء كان بينهما، وأخذ بعيره ومتاعه، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94] [ابن إسحاق، حسن]. وقيل إن رسول الله قد رفض أن يستغفر لمحلم عندما طلب منه ذلك وهم بحنين. [ابن إسحاق، حسن].

وقالوا إنه عندما مات بعد سبعة أيام من هذا دفنوه فلفظته الأرض مرتين فما كان من قومه إلا أن وضعوه بين جبلين، ثم رصوا فوقه الحجارة حتى واروه، فقال الرسول عندما بلغه ذلك: «والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حُرْم ما بينكم بما أراكم منه». [الطبري: التفسير، حسن لغيره].

وقد ذكر المحدثون أكثر من سبب في نزول هذه الآية. فقد روى البخاري أنها نزلت في مسلمين مر بهم رجل في غُنَيْمَتِه، وألقى إليهم السلام، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، ورواه بنحو مثل رواية البخاري: أحمد [المسند، صحيح]، والترمذي [حسن]، والحاكم [حسن].

وروى البزار [في البداية] بسنده إلى ابن عباس أنها نزلت في المقداد بن الأسود، عندما بعث في سرية وتفرق العدو وبقي رجل معه مال كثير، وشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال رسول الله للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل».

ويبدو من هذه التفاسير أن الحادثة قد تكررت، وأن الآية نزلت في غير واحد. [تفسير ابن كثير].

وكانت هذه السرية في أول شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة. [ابن إسحاق؛ حسن؛ ابن سعد، الواقدي].

وذكر الواقدي عن سبب بعث هذه السرية أن رسول الله عندما أراد غزو مكة بعث أبا قتادة في ثمانية إلى بطن إضم، ليظن الظان أن رسول الله متوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار.

فائدة ودروس في هذه السرية:

1- إن في قول رسول الله للمقداد: «كذلك كنت تخفي إيمانك قبل» لفتة كريمة إلى أنه لا ينبغي للإنسان إذا اجتمعت له أسباب القوة أن ينسى أيام ضعفه، فإنه إن فعل استبد به الغرور، وملكه الأشر والبطر. [حاشية محققي تفسير ابن كثير].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة