حجم الخط:

المبحث الثاني: غزوة الطائف

بعد أن تعقب المسلمون فلول الهاربين من هوازن في أوطاس ونخلة، توجهوا للقضاء على ثقيف التي فرت من حنين وأوطاس وتحصنت بحصونها المنيعة في الطائف، وأغلقت أبوابها بعد أن جمعت ما يكفيها من المؤن الغذائية للصمود لمدة عام، واتخذت وسائل دفاعية تمكنها من الصمود مدة طويلة، ورممت حصونها وأوفدت عُرْوَة بن مسعود وغَيْلَان بن سَلَمَة إلى جُرَش ليتعلما صنعة الدَّبَّابَات والمَجانيق، والضُّبُور، ولذا لم يحضرا حنينًا مع قومهما. [ابن إسحاق، ابن سعد]..[الدبابات: آلات تصنع من خشب وتغشى بجلود، ويدخل فيها الرجال، ويتصلون بحائط فينقبون عن أهله؛ والضبور: شيء يُتَّقى به عند الانصراف].

ووصل المسلمون إلى حصون الطائف في نحو نهاية الأسبوع من شوال كما يستنتج من وقائع الأحداث، ونزلوا قريبًا من حصونهم، ثم تحولوا إلى منطقة أكثر بعدًا من مدى سهام ثقيف، التي تسببت في استشهاد اثني عشـر مسلمًا وجرح عدد منهم [ابن إسحاق، ابن سعد]، وبنوا فيها مسجدًا، يعرف اليوم بمسجد عبد الله بن عباس، وكانت الطائف آنذاك جنوبي غربي المسجد.

ولما كان القتال تراشقًا بالسهام على بُعد، استخدم المسلمون (الدبابة) ليحتموا بها من السهام، حتى يصلوا إلى الحصن فيثقبوه، وعندما رأتهم ثقيف، ألقت عليهم قطعًا من حديد محماة فأحرقت (الدبابة)، فخرج أصحابها من تحتها فأصابوهم بالسهام، فقتلوا منهم رجالًا. [ابن إسحاق].

واستخدم المسلمون المجانيق في رمي أهل الطائف، وهم أول من رمى في الإسلام المجانيق [ابن إسحاق، أبو داود: المراسيل، حسن]. وقد بذلوا الوسع في الرمي به، لا سيما وقد وعدهم الرسول درجة في الجنة عندما قال لهم: «مَنْ بَلَغَ بِسَهْم في سبيل الله فَلَهُ درجةٌ في الجنة، ومن رَمَى بِسهم في سبيل الله عز وجل فَهُوَ له عَدْلُ مُحَرَّر [أي مثل ثواب تحرير رقبة]، ومن أصابه شيب في سبيل الله عز وجل فهو له نور يوم القيامة» [أحمد، صحيح؛ الترمذي، صحيح؛ النسائي].

وقد تباينت الروايات الضعيفة فيمن جلب المجانيق أو صنعها، فهناك من يذكر أنه خالد بن سعيد، ومن يذكر أنه سلمان الفارسي، ومن يذكر أنه الطفيل بن عمرو. [الواقدي].

وفي محاولة لإضعاف معنويات ثقيف شرع المسلمون في حرق بساتين نخيلهم وعنبهم، فناشدوه أن يدعها لله وَلِلرَّحِمِ، فاستجاب لهم، بعد أن حققت المحاولة أهدافها [البيهقي: السنن من مرسل ابن عقبة وعروة، ابن إسحاق، من مرسل عمرو بن شعيب].

ونادى منادي رسول الله : «أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فنزل إليهم ثلاثة وعشرون، منهم أبو بَكْرَة - نُفَيع بن مَسْرُوح - الثقفي، فأسلموا، فأعتقهم النبي ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم. [البخاري؛ عبد الرزاق؛ الطبراني برجال الصحيح، وسمي بأبي بكرة لنزوله من الحصن ببكرة].

وعندما استعصى الحصن على المسلمين واستشهد اثنا عشـر رجلًا [ابن إسحاق، أحمد]، بينما لم يقتل من المشركين سوى ثلاثة [ابن إسحاق]، دعا رسول الله إلى فك الحصار، فثقل ذلك على المسلمين واستنكروه، وعندما كثرت فيهم الجراحات، ودعاهم الرسول إلى فك الحصار مرة أخرى، أعجبهم ذلك، فتبسم الرسول ، فارتحلوا [متفق عليه]، والرسول يطمع في هدايتهم ويرفض طلب بعض المسلمين في الدعاء عليهم ويدعو لهم قائلًا: «اللهم اهد ثقيفًا» [الترمذي؛ صحيح؛ ابن إسحاق؛ ابن سعد]، ويروى أن الله لم يأذن له في أهل الطائف. [الذهبي: المغازي، من مرسل عروة وابن عقبة؛ ابن سعد، من مرسل البقري؛ ابن إسحاق].

تباينت الروايات حول المدة التي قضاها الرسول في حصار الطائف. فيرى عروة وابن عقبة أنها كانت بضع عشرة ليلة، وفي رواية عن عروة أنها كانت نصف شهر [الطبري: التاريخ، مرسل حسن]. ويذكر ابن إسحاق [السيرة مرسلًا] مرة أنها بضع وعشرون ليلة، ومرة أنها ثلاثون ليلة أو قريب من ذلك [دلائل البيهقي؛ مرسل حسن]. ويذكر ابن إسحاق [السيرة مرسلًا] مرة أنها بضع وعشرون ليلة، ومرة أنها ثلاثون ليلة أو قريب من ذلك [دلائل البيهقي؛ مرسل حسن]. ويذكر ابن هشام أنها سبع عشـرة ليلة، ويروي مسلم وأحمد [المسند] أنها أربعون يومًا.

والذي يكاد يتفق مع مجريات الأحداث هو ما ذكره موسى بن عقبة وعروة ابن الزبير وابن هشام، وما في الصحيح أصح.

عاد الرسول مرة أخرى إلى الجعرانة حيث ترك غنائم حنين قبل أن يتحرك لحصار الطائف. وعندما عاد لم يقسم هذه الغنائم سوى بعض الفضة [الحاكم، وصححه]، واستأنى بها بضع عشرة ليلة، آملًا في قدوم هوازن عليه ودخولها في الإسلام [البخاري]، ثم وزعها بعد ذلك على المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئًا. فقد أعطى مائة من الإبل لكل من عُيَينة بن حِصْن - من زعماء غطفان - والأقرع ابن حَابس - من زعماء تميم - وعَلْقَمَة بن عُلَاثة والعباس بن أمية - من زعماء قريش [متفق عليه]. وقد أحصى ابن إسحاق اثنى عشر رجلًا ممن نال مائة من الإبل، ستة منهم ذكرهم البخاري ومسلم. وممن زادهم على ما في البخاري ومسلم: معاوية ابن أبي سفيان، والحارث بن الحارث، ومالك بن عوف، والعلاء بن جَارِيَة، والحارث ابن هشام، وحُويطِب بن عبد العزى، ولم يذكر من قائمة البخاري ومسلم: عَلْقَمة ابن عُلَاثَة والعباس بن مِرْدَاس، وذكر خمسة من أعطوا أقل من مائة.

وأورد ابن هشام قائمة بأسماء تسعة وعشرين رجلًا من المؤلفة قلوبهم ممن أعطوا من غنائم حنين، ولم يحدد عدد الإبل التي نالها كل واحد منهم. وهناك من أوصل عددهم إلى سبعة وخمسين رجلًا. [قريبي: مرويات حنين].

وكان هذا الموقف تجاه المؤلفة قلوبهم لحكمة وضحها الرسول للأنصار عندما غضبوا من هذا التوزيع وحرمانهم من الغنيمة، وبلغ الرسول قول بعض أحداثهم: «إذا كانت الشدة نُدْعَى، وتُعطى الغنائمُ غَيْرَنا»، أو «يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!» [متفق عليه]، فجمعهم وقال لهم: «أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبوا برسول الله تَحُوزُنَه إلى بيوتكم؟» قالوا: بلى، يا رسول الله رضينا. فقال: «لو سلك الناس واديًا، وسلكت الأنصار شِعْبًا، لأخذت شِعْب الأنصار» [متفق عليه؛ ابن إسحاق، حسن]، وقال في رواية: «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شِعَار[الثوب الذي يلي الجسد] والناس دِثَار،[ثوب فوق الشعار] ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار...» [مسلم]، وقال: «إني أعطي قومًا أخاف ظلعهم وجزعهم، وأَكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغناء، منهم عمرو بن تَغْلِب»، فقال عمرو بن تغلب: «ما أحب أن لي بكلمة رسول الله حُمْرُ النَّعَم» [البخاري]، وقال: «إني لأعطي رجالًا حَدِيثٌ عهدهم بكفر» [متفق عليه]، وفي رواية: «إن قريشًا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم». [متفق عليه]، وقال: «أَوَجدْتُم يا معشـر الأنصار في أنفسكم في لُعَاعَة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم،... اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» [متفق عليه؛ ابن إسحاق، حسن، أحمد، حسن]، وقال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه، خشية أن يُكَبَّ في النار على وجهه». [مسلم].

وعندما سمع الأنصار ما قاله لهم الرسول ، عرفوا الحكمة من ذلك التقسيم، وبكوا حتى ابتلت لحاهم بدموعهم، وقالوا: «رضينا برسول الله قَسْمًا وحَظَّا» [مسلم؛ ابن إسحاق، حسن، وأصله في البخاري ومسلم].

واتضحت لهم الحكمة عمليًا عندما رغب هؤلاء المؤلفة قلوبهم في الإسلام وحسن إسلامهم وانخرطوا في الجهاد، إلا القليل جدًا منهم، مثل عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس. وقد عبر عن هذه الظاهرة الإمام مالك بن أنس [مسلم] قائلًا: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها». وعبر صفوان بن أمية عن التحول الذي حدث نتيجة لهذا الموقف الكريم من الرسول فقال: «والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني، وإنه لَأَبْغَضُ الناسِ إليّ، ما بَرِحَ يُعْطِينِي حتى إنه لَأَحَبُّ الناس إليّ» [مسلم]. وكان حَكِيم بن حِزَام كلما أعطاه سأله المزيد، فوعظه الرسول قائلًا: «يا حكيم، إن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ، فمن أخذه بِسَخَاوَةِ نَفْس ٍبُوْرِكَ له فيه، ومن أخذه بِإشْرَاف نفس لم يُبَارِكْ له فيه، وكان كالذي يأكل وَلَا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى»، فقال حكيم: «والذي بعثك بالحق لا أَرْزَأُ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا»، فلم يأخذ عطاءه من بيت المال حتى توفي. [متفق عليه].

وعندما لم تتضح حكمة هذا التقسيم لدى بعض جُفَاةِ الأعراب - أيضًا - قال أحدهم للرسول : «يا محمد! اعدل» فقال له الرسول: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل». فاستأذن عمر النبي في ضرب عنقه، فقال له النبي : معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي! إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يُجَاوِزُ حناجرهم، يَمْرُقُون منه كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة»، واللفظ لمسلم. وفي رواية ثانية له زاد: «... إن من ضِئْضِئِ [أصل] هذا قومًا يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان... لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وجاء وصف هيئته في هذه الرواية: كث اللحية، مشرف [غليظها]، غائر العَينَين، ناتئ [بارز] الجبين، محلوق الرأس. وزاد مسلم في رواية ثالثة: «...مُشَمَّرُ الإزار». وازدحموا على الرسول وهو يقسم الغنائم، حتى علق رداؤه بغصن شجرة، فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه الِعضَاه - شجر الشوك - نعمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا» [البخاري]. وجبذه أحدهم جبذة شديدة أثرت في عاتقه لخشونة البرد الذي كان عليه، وقال: «مر لي من مال الله الذي عندك»، فالتفت إليه الرسول فضحك، ثم أمر له بعطاء [نفسه]. ودل هذا الموقف من الأعراب على أن معظمهم إنما خرج للمغنم، ودل موقف الرسول من تصـرفاتهم على صبره وحكمته في تربية أمثال هؤلاء الأعراب.

بعدما فرغ الرسول من توزيع الغنائم، قدم عليه وفد هوازن يعلن إسلامهم، ويطلب رد الأموال والسبي إليهم، فخيرهم بين المال والسبي، فاختاروا السبي، فاستشار الرسول أصحابه في الأمر، ومما قال لهم: «من أحب أن يُطَيِّبَ فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حَظِّهِ حتى نُعْطِيَهُ إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم. فقال: «إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يَرْفَعَ إلينا عُرَفَاؤُكم أمركم»، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله فأخبروه أنهم قد طيبوا فأذنوا [نفسه]، سوى الأقرع بن حابس، الذي تكلم باسم قبيلته تميم، وعيينة بن حصن الذي تكلم باسم قبيلته فزارة، فوعدهم الرسول بتعويضهم عنها. [ابن إسحاق، حسن].

وسأل الرسول وفد هوازن عن مالك بن عوف، وطلب منهم أن يخبروه إن أتاه مسلمًا رد عليه أهله وماله ومنحه مائة من الإبل، وعندما أخبروه بذلك احتال في الخروج من الطائف، خشية أن يقتله قومه ثقيف، ولحق بالرسول الله بالجِعْرَانة أو بمكة، فأعطاه الرسول ما وعد به، وأسلم، وحسن إسلامه، فاستعمله الرسول على من أسلم من قومه، فكان يقاتل بهم ثقيفًا. [ابن إسحاق، يعتضد].

ومال بعض زعماء ثقيف للإسلام، منهم عُروة بن مسعود الثقفي، فلحق بالرسول وهو في طريقه إلى المدينة بعد أداء العمرة، فأعلن إسلامه، وعاد داعيًا إلى الإسلام في قومه، فقتلوه، ودفن مع شهداء المسلمين في حصار الطائف حسب وصيته. [ابن إسحاق].

وبعد عودة الرسول من تبوك في رمضان من العام التاسع، جاء وقد ثقيف معلنًا إسلامهم، كما سنرى في خبر الوفود.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة