لقد تخلف عن غزوة تبوك، من غير ذوي الأعذار والمنافقين، ثلاثة من خيار الصحابة، وهم: كَعْبٌ بن مالك، ومُرَارَة بن الربيع العَمْرِي، وهِلَال بن أُمَيَّة الواقِفِيُّ، فقد غلبهم التسويف والميل إلى الراحة. وروى كعب رضي الله عنه قصته في هذا التخلف، في حديث طويل، رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وجاء فيه:
«كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسـر منه حين تخلفت عنه في تلك الغزاة... وطفقت أغدو لكي أتجهز مع المسلمين، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد ولم أقض من جهازي شيئًا. ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو - أي فاتوا - وهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت. فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموسًا بنفاق أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء.. ولما بلغني أنه توجه قافلًا حضـرني همي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا سأخرج من سخطه غدًا؟!... واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، ولما قيل إن رسول الله ﷺ قد أقبل، زاح عني الباطل وأجمعت أن أَصْدُقَهُ، فجئته، فلما سلَّمت عليه تبسَّم تبسُّم المُغْضَبِ، ثم قال: تعال، فجئت أمشـي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعْطِيْتُ جَدَلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله. والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبونني (أي يعتبون عليه أنه لم يعتذر كالآخرين) فقلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ فقالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟ فقالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية. فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة... ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا - أي الثلاثة - فَاجْتَنَبَنَا الناسُ وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرفها. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه أسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني. وبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطِيٌّ من أَنْبَاط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يَدُلُّنِي على كعب بن مالك؟ فَطَفِقَ الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غَسَّان، فإذا فيه: «أما بعد فإنه قد بَلَغَنِي أن صاحبك قد جفاك، ولم يَجْعَلْكَ الله في دار هوان ولا مَضْيَعَة، فالحق بنا نُوَاسِك»، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التَّنُّور فسجرته بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضـي الله في هذا الأمر.. فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لي خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسـي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سَلْع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشرونا، وذهب قِبَلَ صاحِبَيَّ مبشـرون.. ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة. فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله. فقلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. قال رسول الله ﷺ: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. فقلت: يا رسول الله، إنما نجَّاني الصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. وأنزل الله تعالى على رسوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴿١١٩﴾ ﴾[التوبة:117-119]... وكنا تَخَلَّفْنَا نحن الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضـى الله فيه. فبذلك قال الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾[التوبة:118]، وليس الذي ذَكَرَ الله مما خُلِّفْنَا عن الغزو، إنما هو تَخْلِيفُهُ إيانا وإرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عمن حَلَفَ له واعتذر إليه فَقَبِلَ منه».
وجاء في حديث كعب هذا أن الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كانوا بضعة وثمانين رجلًا، اعتذروا للرسول ﷺ عن تخلفهم فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، ويتطابق هذا العدد مع ما ذكره الواقدي، وقد زاد الواقدي، بأن المُعَذَّرِيْنَ من الأَعْرَابِ كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلًا من بني غِفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي سلول ومن تابعه من قومه كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عددًا كثيرًا،
وروى هو وابن سعد وابن إسحاق أن ابن أبي خرج حتى وصل جبل ذُبَاب - وفي رواية عند ثنية الوداع - بالمدينة ومعه حلفاؤه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكر ابن أبي بأقل العسكرين، فلما سار الرسول ﷺ تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين، وكل هذه لم يثبت بطرق صحيحة.
وكان من يتخلف يظن أن لا أحد يتفقده لكثرة أفراد الجيش، ولكن الرسول ﷺ تفقد وهو في طريقه إلى تبوك بعض من تخلف، فقد سأل أبا رِهْم كلثوم بن حصين الغفاري عمن تخلف من بني غفار وأسلم [ابن إسحاق، حسن لغيره]، وعندما وصل تبوك سأل عن كعب بن مالك. [البخاري].