ونزل المسلمون ساحة المعركة بقوة إيمانية كبيرة، وشدوا على المشركين، وأخذوا في اقتطاف رؤوسهم، وأمدهم الله بالملائكة لينصرهم على عدوهم، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ ﴾[آل عمران:123] الآيات، و ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿٩﴾ ﴾[الأنفال:9] و﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾[الأنفال:12].
وكما روي من الأحاديث في هذا الشأن. فقد روى مسلم في هذا: «بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فنظر إلى المشرك أمامه، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَـرْبَةِ السَّوْطِ، فاخْضَـرَّ ذلك أَجْمَعُ. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صدقت. ذلك من مَدَدِ السماءِ الثالثة». [وخطم: أصيب بضربه، وتركت الضربة أثرًا].
وروى أحمد أن رجلًا من الأنصار قصير القامة جاء بالعباس أسيرًا، فقال العباس: «يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أَجْلَحٌ من أحسن الناس وجهًا، على فرس أَبْلَق، ما أراه في القوم»، فقال الأنصاري: «أنا أسرته يا رسول الله. فقال: اسكت، فقد أيدك الله تعالى بملك كريم». [المسند، بسند صحيح].
وروى الأموي أن الرسول ﷺ خفق خفقة في العريش ثم انتبه، فقال: «أبشـر أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل معتجر بعمامة، آخذًا بِعَنانِ فرسه يقوده على ثَنَايَاه النَّقْعُ، أتاك نصر الله وعدته». [ابن إسحاق، حسنه الألباني في حاشية سيرة الغزالي].
ورويت أحاديث في مشاركة الملائكة المسلمين يوم بدر ولم تصرح بالقتال. فقد روى البخاري أن النبي ﷺ قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب»، وقال في رواية أخرى: «جاء جبريل النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: أفضل من المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة». [البخاري].
وروى الحاكم [بسند حسن] أنه كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء معتجر بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر، على سيماء الزبير. وروى ذلك كذلك ابن سعد. [وصححه ابن حجر في الإصابة].
لقد أكرم الله عباده المؤمنين يوم بدر ببعض الكرامات. فقد روي أن عُكَّاشَة ابن مِحْصَن قاتل بسيفه يوم بدر حتى انقطع يده، فأعطاه الرسول ﷺ جذلًا من حطب ليقاتل به، فإذا هو في يده سيفًا طويلًا شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به يوم ذاك وفي المعارك الأخرى التي شهدها بعد ذلك، وآخرها يوم اليمامة - أحد أيام حروب الردة - حين قتل شهيدًا. [ابن إسحاق، الواقدي؛ ابن سعد].
وعندما رأى إبليس - وكان في صورة سراقة بن مالك - ما تفعل الملائكة والمؤمنون بالمشركين، فر ناكصًا على عَقِبَيْهِ، حتى ألقى بنفسه في البحر. [الطبري: التفسير، بطرق تعتضد].