حجم الخط:

الوصول إلى المدينة:

روى البخاري وابن إسحاق [في السيرة؛ بسند حسن] والحاكم [بسند صحيح] وغيرهم أنه عندما بلغ الأنصار مخرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرًا إلى المدينة، كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد الحر رجعوا إلى منازلهم. فلما كان يوم الإثنين، 12/3/1هـ، خرجوا على عادتهم، فلما حمي الحر رجعوا. وصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة لبعض شأنه، فرأى رسول الله ﷺ وأصحابه، فصـرخ بأعلى صوته: «يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون»، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، وسمعت الرَّجَّة والتكبيرة في بني عمرو بن عوف، وكبَّر المسلمون فرحًا بقدومه وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيَّوه بتحية النبوة. وكان مَنْ لم ير الرسول ﷺ من قبل يحيي أبا بكر ظنًا منهم أنه الرسول ﷺ. وعندما اشتد الحر، قام أبو بكر فأظل النبي بردائه، فعرفوا الرسول ﷺ فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه والوحي ينزل عليه: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ﴿٤﴾ ﴾[التحريم:4]، وصاح النساء والخدام والغلمان: جاء محمد، جاء رسول الله، الله أكبر، جاء محمد. [الحاكم، بسند صحيح]، وأنشد المستقبلون:

طلع البدر علينا

وجب الشكر علينا

من ثنيات الوداع

ما دعا لله داع

[لقد وقف بعض العلماء عند هذا النشيد، وناقشوه من حيث السند والمتن، لوجود إشكال في روايته؛ إذ وردت فيه كلمة (ثنيات الوداع) التي اشتهر أنها من جهة الشام، وليس من جهة مكة. ويرى عرجون صحة نسبة النشيد إلى حادثة قدومه إلى داخل المدينة، دار أبي أيوب، ويوفق بين الروايات ويناقش هذا، ولا يستبعد تكرار إنشاد النشيد في زمن عودته من تبوك، فليراجع عرجون (2/ 602- 611). ونحن نميل مع عرجون إلى تعدد إنشاء النشيد وإلى أن ثنيات الوداع ليست من جهة الشام فقط].

ثم سار حتى نزل قباء في بني عمرو بن عوف - من الأوس - على كُلْثُوم بن الهِدْمِ، لمدة أربع عشرة ليلة، فيها أسس مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس بعد الهجرة.

وبعد ذلك ركب رسول الله ﷺ بأمر الله، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله، فجاؤوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم ابن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مئة رجل [ابن سعد، بسند صحيح؛ ابن إسحاق: السيرة]. وكانت أول جمعة للنبي ﷺ داخل المدينة. [ابن إسحاق: السيرة، بسند حسن].وعرف هذا المسجد بـ : (مسجد الجمعة).

دخل رسول الله ﷺ المدينة بعد الجمعة، في جو مشحون بالفرح والبهجة والسرور، وكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته قائلين: هلم إلى العَدَدِ والعُدَّةِ والسَلَامِ والمَنَعَةِ، فكان يقول لهم: خلوا سبيلها فإنها مأمورة فلم تزل تسير به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم، فبركت فلم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت وبركت في موضعها الأول، فنزل عنها وذلك في بني النجار، أمام دار أبي أيوب الأنصاري. وبادر أبو أيوب إلى الرحل فأدخله بيته، فجعل رسول الله ﷺ يقول: «المرء مع رحله»، وأخذ أسعد بن زرارة الراحلة. [ابن إسحاق في السيرة، بسند حسن؛ البيهقي: الدلائل، وفيه الحديث: (المرء مع رحله)].

نزل رسول الله ﷺ في القسم الأسفل من دار أبي أيوب، وأبو أيوب في القسم العلوي. فانتبه أبو أيوب ذات ليلة، فقال: «نمشي فوق رأس رسول الله ﷺ!» فتنحوا إلى جانب. وفي الصباح طلب من الرسول ﷺ الانتقال إلى القسم العلوي، فقال النبي ﷺ: «السفل أرفق» ولكن أبا أيوب قال: «لا أعلو سقيفة أنت تحتها». فتحول الرسول ﷺ إلى القسم العلوي، ونزل أبو أيوب إلى القسم السفلي.

وكان أبو أيوب يصنع للنبي ﷺ طعامًا. فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع أصابعه، فصنع له طعامًا فيه ثوم. فلما رد إليه سأل موضع أصابع النبي ﷺ فقيل له: لم يأكل. ففزع وصعد إليه، فقال: «أحرام هو؟» فقال النبي ﷺ: «لا، ولكني أكرهه»، قال: «فإني أكره ما تكره...»؛ وذلك لأن الرسول ﷺ كانت تأتيه الملائكة. [مسلم].

وعندما انكسرت جَرَّةُ ماء أبي أيوب ذات يوم، عندما كان بالعلوي، نشف هو وأم أيوب ماءها بقطيفتهما الوحيدة التي يلتحفان بها؛ تخوفًا من أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه. [ابن إسحاق في السيرة، بسند حسن].

وروي أن أبا أيوب سأل الرسول ﷺ أن ينتقل إلى القسم العلوي من داره، بسبب هذه الحادثة، فاستجاب الرسول ﷺ لطلبه [ابن حجر: الإصابة]. وروى مسلم وأحمد [أحمد: المسند] أن سبب الانتقال هو كراهة أبي أيوب وأم أيوب أن يمشيا فوق رأس رسول الله ﷺ. كما سبق ذكره. وما في الصحيح أصح. وكانت مدة إقامته ﷺ في دار أبي أيوب شهرًا واحدًا [ابن حجر: التهذيب؛ ابن سعد] على الأرجح.

وما كانت تمر ليلة إلَّا على باب رسول الله ﷺ الثلاثة والأربعة من الصحابة الأنصار، يتناوبون في حمل طعامهم إلى رسول الله ﷺ، حتى تحول من منزل أبي أيوب إلى داره. [ابن سعد].

ونزل أبو بكر رضي الله عنه على حبيب - ويقال خبيب - بن يساف، بالسنح، ويقال: نزل على خارجة بن زيد.[ابن إسحاق في السيرة، بسند حسن].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة