ب- الإسراء والمعراج: دلالات وعظات وعبر:
1- إن حديث الإسراء والمعراج متفق عليه بين أهل الحديث والمغازي، وثبت بآيات قرآنية وبأحاديث نبوية، فهو قطعي الثبوت. وهو بإجماع جماهير المسلمين من معجزاته ﷺ. وفي إنكاره إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة.
2- جاءت هذه المعجزة بعد المحن التي ابتلي بها الرسول ﷺ لتجدد عزيمة الرسول ﷺ ولتدلل على أن هذا الذي يلاقيه من قومه ليس سببه تخلي الله عز وجل عنه، وإنما هي سنة الله سبحانه وتعالى مع أحبائه في كل عصر ومصر؛ وبينت للرسول ﷺ أن المستقبل لدينه، وذلك بإقرار إمامته للأنبياء السابقين، وما تمثل له من رموز لهذا المعنى؛ وبينت له أن الأرض إذا ضاقت في وقت، فإن السماء تفتح أبوابها لتستقبله، ولئن آذاه بعض أهل الأرض في وقت ما، فإن أهل السماء يقفون له مستقبلين ومرحبين.
3- إن الاقتران الزماني والمكاني بين إسرائه ﷺ إلى بيت المقدس والعروج به إلى السماوات السبع، لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله تعالى. وفيه دلالة واضحة أيضًا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى ومحمد ﷺ، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي بعثوا به[1]؛ وفيه دلالة على واجب المسلمين في الحفاظ على هذه الأرض وحمايتها من مطامع أعداء الإسلام.
4- ولعل الحكمة في مرور هذه الرحلة ببيت المقدس، ولم تكن من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة، هو أنه عندما أهدر اليهود كرامة الوحي وأسقطوا أحكام الله حلت بهم لعنة الله، وتقرر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد، على الرغم من أنها ظلت فيهم زمانًا طويلًا، ومن ثم كان مجيء الرسالة إلى محمد ﷺ انتقالًا بالقيادة في العالم من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل، وهو انتقال فيه احترام للإيمان الذي درج - قديمًا - في رحابه. [الغزالي ورواس].
5- إن في اختيار رسول الله ﷺ اللبن على الخمر حينما قدمهما له جبريل ﷺ، دلالة على أن الإسلام هو دين الفطرة. لأن اللبن مادة لم تتغير طبيعتها، والخمر نتيجة تغيير كيماوي في طبيعة العنب وغيره من مصادر الخمر، إضافة إلى أن الخمر يغيِّر فطرة الإنسان؛ لأنه يذهب العقل.
6- إن في جمع الله عز وجل المرسلين السابقين من حملة الهداية في هذه الأرض وما حولها، ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة دل على أن النبوات يصدق بعضها بعضًا، وأن محمدًا هو خاتمهم الذي اكتمل به الدين، وأبان مكانة محمد ﷺ عند ربه.
7- إن رؤية طرف من آيات الله عز وجل الكبرى في ملكوت السماوات والأرض له أثره الحاسم في توهين كيد الكافرين ومعرفة عقباهم، ورفع لمعنويات نبيه ﷺ وأصحابه ليواجهوا قوى الكفار المتألبة عليهم.
8- إن وقوع مثل معجزة الإسراء والمعراج للرسول ﷺ بعد مضي اثني عشر عامًا من مبعثه دَلَّ على أن الخوارق والمعجزات تأتي في طريق محمد ﷺ ضربًا من التكريم والإيناس لشخصه، غير معكرة ولا معطلة للمنهج العقلي العادي، وذلك على عكس ما وقع لبعض الأنبياء، مثلما وقع لموسى ﷺ، حيث إن الخوارق في سير هذا البعض قصد بها قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة.
وتأكيدًا لهذا، فعندما اقترح المشركون على النبي ﷺ أن يرقى في السماء، جاء الجواب من الله عز وجل: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴿ ٩٣ ﴾ ﴾ [الإسراء:93].
فلما رقى في السماء بعد ذلك، لم يذكر قط أن ذلك ردًا على التحدي أو إجابة على الاقتراح السابق.
9- إن فرض الصلوات الخمس في ليلة المعراج دليل على أهمية هذا الركن من أركان الإسلام، الذي يجب أن يكون معراجًا يرقى بالناس كلما تدلت بهم شهوات النفوس وأغراض الدنيا [الغزالي].