حجم الخط:

ب- العبر والعظات في هذا المقطع:

1- إن في إلهام الله تعالى لرسول الله ﷺ بأن يبدأ الدعوة سرًا، تعليمًا للدعاة في كل زمان ومكان، وإرشادًا لهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والحذر والأسباب الظاهرة، وما يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها. على أن لا يتغلب ذلك كله على الاعتماد والاتكال على الله تعالى وحده، وعلى أن لا يذهب الإنسان في التمسك بهذه الاسباب مذهبًا يعطيها معنى التأثير والفعالية في تصوره وتفكيره. فهذا يخدش أصل الإيمان بالله تعالى، فضلًا عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام.

ومن هنا تدرك، أن أسلوب دعوته ﷺ في هذه الفترة كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إمامًا، وليس من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف كونه نبيًا [البوطي: فقه السيرة].

2- أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم إذا ما أجمعوا على حربهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة، وهي مصلحة حفظ الدين، موهومة أو منفية الوقوع، وهذا ما يقرره العز بن عبد السلام [في قواعد الأحكام]. ويقول الدكتور البوطي في تعليقه على هذا القول إنه من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد، فإنها في الواقع مصلحة دين، إذ المصلحة الدينية تقتضي - في مثل هذه الحال - أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى. وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين ذاته، وفسحًا للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودًا أمامهم من السبل.

وهو بهذا يعني أن عدم القتال تقديم لمصلحة الدين المتيقنة على مصلحة الدين المرجوحة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة