حجم الخط:

تعدد بناء الكعبة:

المرة الأولى: عمارة الملائكة، كما روى الأزرقي.

المرة الثانية: عمارة آدم عليه السلام كما روى البيهقي [الدلائل]، وغيره [السبل].

المرة الثالثة: عمارة أولاد آدم عليه السلام كما روى الأزرقي وغيره، عن وهب ابن منبه، وذكره السهيلي، أن الذي بناها شيث بن آدم عليه السلام.

المرة الرابعة: عمارة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام التي ذكرناها، وجزم ابن كثير [البداية] بأن هذا كان أول بناء. قال: «ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيًا قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله: ﴿ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26] فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم». وقال الشامي معلقًا على كلام ابن كثير هذا: (... وفيه نظر لما ذكر من الآثار السابقة واللاحقة).

المرة الخامسة والسادسة: عمارة العماليق ثم جرهم، كما نقل الشامي من رواية ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنده، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه. قال السهيلي: (وقد قيل: إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين؛ لأن السيل كان قد صدع حائطه، ولم يكن ذلك بنيانًا على نحو ما قدمنا، إنما كان إصلاحًا لما وهى منه، وجدارًا بني بينه وبين السيل، بناه عامر الجارود، وقد تقدم هذا الخبر). [وانظر بناء العماليق في دلائل البيهقي (2/ 56-57)؛ وأخرج الحاكم الرواية (1/ 458) وصححها وأقره الذهبي].

المرة السابعة: عمارة قصي بن كلاب - جد النبي - قال الشامي: (نقله الزبير بن بكار في كتاب النسب، وجزم به الإمام أبو إسحاق الماوردي في الأحكام السلطانية).

المرة الثامنة: عمارة قريش، حين كان للرسول من العمر خمسة وثلاثون عامًا، كما سيأتي ذكره هنا في المبحث الخاص بمشاركة الرسول في بناء الكعبة.

المرة التاسعة: عمارة عبد الله بن الزبير، كما روى الشيخان وغيرهما. وسيأتي ذكرها.

المرة العاشرة: عمارة الحجاج بن يوسف بأمر عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، كما روى الإمام مسلم. وعندما شكك عبد الملك في سماع ابن الزبير من خالته عائشة رضي الله عنها حديث الرسول : «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر - لهدمتها وجعلت لها غلقًا وألصقت بابها بالأرض وأدخلت فيها الحجر»، أكد له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة - المعروف بالقباع، وأخو عمر بن أبي ربيعة، الشاعر المشهور - أنه سمعه منها، فندم على نقضه وإعادته. [مسلم].

وروي أن الرشيد العباسي عزم على نقضها وإعادتها كما بناها ابن الزبير، فقال له مالك ابن أنس: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس. فصرفه عن رأيه فيه. [البداية].

المرة الحادية عشر: بناء السلطان مراد خان العثماني، سنة 1040هـ - 1630م، ذكره محمد علي بن علان في رسالته التي بهذا الشأن، وسببه ما فعله السيل بالكعبة، حيث أسقط منها بعض الأجزاء. [إخبار الكرام للمكي].

دلت الآيات القرآنية التي نزلت في شأن بناء الكعبة والأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري وغيره على أن أول من بنى الكعبة هو إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. وقد كان مكان البيت ربوة عالية مشرفة على ما حولها، معروفة للملائكة، ولمن سبق من الأنبياء، وبقعة مشرفة معظمة من قديم الزمان حتى جاء الخليل فأسس قواعده وبناه.

أما الروايات التي تقول ببناء الكعبة قبل هذا فأغلبها موقوفة على بعض الصحابة أو التابعين، ورواها أهل التاريخ والسير كالأزرقي والفاكهي وبعض المفسـرين والمحدثين الذين لا يلتزمون إخراج الروايات الصحيحة أو الحسنة. وقد مر بك قول ابن كثير: (ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيًا قبل الخليل عليه السلام).

ويقول أبو شهبة [السيرة] بعد ترجيحه كلام ابن كثير-: (ولا ينافي ما رجحناه وذهبنا إليه ما روي: أنه ما من نبي إلا وقد حج البيت)، ما رواه أبو يعلى في مسنده بسنده عن ابن عباس قال: حج رسول الله ، فلما أتى وادي «عُسْفَان» قال: «يا أبا بكر، أي وادٍ هذا؟»، قال: هذا وادي عُسْفَان، قال: «لقد مَرَّ بهذا نوح وهود وإبراهيم على بَكَرَاتٍ لهم حُمْرٍ، خَطْمُهُمُ اللِّيفُ، وأُزُرُهم العَباء، وأرْدِيَتُهُم النِّمار، يحجون البيت العتيق»، وما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن ابن عباس، قال: لما مر النبي بوادي عُسْفَان حين حج قال: «يا أبا بكر، أي وادٍ هذا؟»، قال: وادي عُسْفَان، قال: «لقد مَرَّ به هود وصالح عليهما السلام على بَكَرَاتٍ لهم حُمْر، خَطْمُهَا اللِّيف، أُزُرُهم العَباءُ، وأرْدِيَتُهُم النِّمَارُ، يلبون يحجون البيت العتيق»، إسناده حسن. وقد تقدم في قصة نوح (1/ 278) عليه السلام «وفيه نوح وهود وإبراهيم» وقال أبو شهبة: لأن المقصود الحج إلى محله، وبقصته المعروفة، وإن لم يكن ثم بناء. [بكرات: جمع بكرة، وهي الناقة الفتية القوية؛ وخطم: جمع خطام، وهو الزمام الذي تشد به الناقة، والأزر: جمع إزار، وهو ما يستر به أسفل الجسم من الوسط؛ والأردية: جمع رداء، وهو ما يوضع على الكتفين ويستر به النصف الأعلى. والنمار جمع نمرة، وهو الكساء المخطط].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة