حجم الخط:

ثانيًا: الحالة الدينية عند العرب في الجزيرة العربية:

استمرت خزاعة على ولاية الكعبة نحوًا من ثلاثمئة سنة، وقيل: خمسمئة سنة. وكانوا قوم سوء في ولايتهم، وذلك لأنه كان في زمانهم أول عبادة الأوثان بالحجاز، بسبب رئيسهم عمرو بن لحي. [يأتي ذكره]، الذي زار الشام ووجد العماليق بمؤاب من أرض البلقاء (مكان بالأردن الآن) يعبدون الأصنام، وقالوا له إنهم يعبدونها لأنهم يستمطرونها فتمطرهم ويستنصرونها فتنصرهم، فطلب صنمًا فأعطوه صنم هُبَل، فجاء به مكة ونصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، لأنه كان سيدًا مطاعًا فيهم. وعندما بدأ بنو إسماعيل يتفرقون في البلاد أخذوا يحملون معهم من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالبيت، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، وخلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه من دين إبراهيم. [ابن هشام].

وكثرت فيهم الأصنام، فكان (وَدٌّ) لبني كَلْب بن وَبْرَةَ بدُوْمَةِ الجَنْدَل، و(سُوَاع) لبني هُذَيل بمكان تسمى رُهَاط، على ثلاث ليال من مكة، و(يَغُوْث) لبني أَنْعُم من طيء ولأهل جُرش من مَذْحِج اليمنية، وكان منصوبًا بجرشَ، و(يَعُوْقَ) لبني خَيْوَانَ الهمدانيين، و(نَسْرَ) لقبيلة ذي الكُلَاع الحِمْيَرِية. [ابن إسحاق].

وهذه الأصنام هي التي عبدها قوم نوح، وحكى خبرها القرآن الكريم، قائلًا: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴿٢٣﴾ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ [نوح: 23-24]، فعندما فارق ولد إسماعيل وغيرهم دين إبراهيم عبدوا هذه الأصنام. [انظر البخاري].

وكان لخولان صنم يدعى (عَمُّ أَنَس) وقيل: (عُمْيَانِسُ)، يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسمًا بينه وبين الله - فيما يزعمون - وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا [الأنعام:136]. وكان لبني مِلْكَانَ بن كِنَانَة صنم يقال له: (سَعْد). وكان لدَوْسٍ صنم لعمرو بن حُمَمَة اَلدَّوْسِيُّ. وكان لقريش مع هبل صنما: (إِسَاف) و(نائلة)، على موضع زمزم، ينحرون عندهما، قالت عائشة رضي الله عنها: «ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله عز وجل حجرين» [ابن إسحاق، حسن لذاته].

واتخذ أهل كل دار في دارهم صنمًا يعبدونه، وكان آخر ما يفعلونه عند الشروع في السفر وأول ما يفعلونه حين العودة منه، التمسح بالصنم، فلما بعث الله محمدًا بالتوحيد، عابوا عليه ذلك وقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ [ص:5].

وفي الصحيح عن أبي الرجاء العطاردي، قال: «كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثْوَةً من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه، ثم طفنا به» [البخاري].

وروى ابن كثير [في البداية] عدة أحاديث صحيحة تدل على ما ابتدعه عمرو بن لحي في الدين واتبعه العرب في ذلك، فضلُّوا ضلالًا بعيدًا؛ من ذلك رواية الشيخين: قال رسول الله : «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي [أي عمرو بن لحي] يجر قُصْبَهُ [أي أمعاءه] في النار، كان أول من سيَّب السوائب...»، ورواية ابن إسحاق [السيرة، حسن] الأكثر تفصيلًا وبإسناد صحيح، ولفظها: «... إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي». وقد أنكر الله تعالى عليهم ذلك في أكثر من آية، فقد قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ [النحل:116].

قال ابن عباس [كما في تفسير الطبري]: «إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام...» ففيها خلاصة عبادة العرب وما نتج عن ذلك من ممارسات اجتماعية ضارة.

ولم يبق من دين إبراهيم إلا القليل، مثل تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة، والوقوف بعرفات والمزدلفة وإهداء البدن مع إدخالهم في هذا ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا بالحج أو العمرة قالوا: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك»، فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده» [ابن إسحاق]. وكانوا يطوفون بالبيت عراة وهم يصرخون.

واتخذت العرب طواغيت مع الكعبة، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، ويهدى لها، ويطاف بها، وينحر عندها. فكانت لقريش وبني كنانة (العُزَّى) بنَخْلَة، وكان سدنتها وحجابها من بني شَيْبَانَ، من سُلَيْمٍ، حلفاء بني هاشم، وكانت (اللّاتُ) لثقيف بالطائف. وكان سدنتها وحجابها من بني مُعَتِّبٍ، من ثقيف. وكانت (مَنَاةُ) للأوس والخزرج ومن دان بدينهم، بناحية المُشَلَّل بقُدَيْدٍ. وهذه الطواغيت هي التي أشار إليها القرآن الكريم في الآية: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴿١٩﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿٢٠﴾ [النجم: 19-20]. وكان (ذو الخَلَصَة) لدَوْسٍ وخَثْعَم وبَجِيْلَةَ ومن كان ببلادهم من العرب بِتَبَالَةَ، وكان يقال له: (الكعبة اليمانية)، ويُقَالُ لبيت مكة: (الكعبة الشامية). وكان (فَلْسٌ) لطيء ومن يليها بَجَبَلَيْ طيء، يعني أَجَا وسَلْمَى. وكان (رِئَام) بيتًا لحمير وأهل اليمن. وكانت (رُضَاءُ) بيتًا لبني ربيعة بن كعب. وكان (ذو الكَعَبَات) لِبَكْرٍ وتغلب ابني وائل وإياد، بَسنْدَادَ [يأتي ذكرها]. وكان للعرب أصنام أخرى غير التي ذكرنا، حفلت بذكرها المصادر المختلفة. [تاريخ اليعقوبي والأصنام لابن الكلبي].

وهناك روايات طريفة عن موقف بعض العرب من أصنامهم. من ذلك ما روي من أن السائب بن عبد الله كان له حجر نحته بيده ليعبده، فيجيء باللبن الخاثر الذي ينفسه على نفسه فيصبه عليه، فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يَشْغر [يرفع إحدى رجليه] فيبول... الأثر. وما يروى من أن بني حنيفة اتخذوا في الجاهلية إلهًا من حيس [الأقط - اللبن المجفف - يخلط بالتمر والسمن]، فعبدوه دهرًا طويلًا، ثم أصابتهم مجاعة، فأكلوه، فقال رجل من بني تميم يعيرهم بذلك:

أكلت ربها حنيفة من جو

ع قديم بها ومن إعواز

وقال فيهم آخر:

أكلت حنيفة ربها

لم يحذروا من ربهم

زمن التقحم والمجاعة

سوء العواقب والتباعة

[المعارف]

وهناك قصة الرجل الذي قال شعرًا في صنمهم عندما رأى ثعلبين يبولان عليه [ابن سعد]، وقصة عمر بن الخطاب الذي أكل صنمه من العجوة عندما جاع... إلخ، وهي قصص وإن لم يثبت بعضها حديثيًا إلا أنها تصور الحالة التي كان عليها العرب في جاهليتهم.

ظهرت في بلاد العرب إلى جانب عبادة الأصنام، عبادة النجوم والكواكب، خاصة في حران والبحرين والبادية. ويقال: إنه كان بمكة رجل يدعى (أبو كبشة) عبد نجمًا اسمه (الشعرى)، ودعا قريشًا إلى عبادته. وانتشرت هذه العبادة بين بعض قبائل لخم وخزاعة وقريش. وعندما دعا الرسول إلى عبادة الله وحده سموه ابن أبي كبشة لمخالفته إياهم في العبادة كما خالفهم في عبادتهم من قبله ابن أبي كبشة [بلوغ الأرب].

وعبدت الشمس في بلاد اليمن، وفي ذلك قال تعالى في قصة ملكة سبأ: ﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿٢٤﴾ [النمل:23-24].

وتسربت بعض فرق المجوسية الفارسية إلى بلاد العرب. وفي ذلك يقول ابن قتيبة [في المعارف]: (وكانت المجوسية في تميم, منهم زرارة وحاجب بن زرارة... وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة). وكان الأقرع بن حابس وأبو سود - جد وكيع ابن حسان - ممن دان بالمجوسية [نفسه]، وتسربت إلى هجر [البخاري] من البحرين. وكانوا يقولون: إن قتل عدوهم على أرضهم ينجسها عليهم [الحاكم، صحيح].

ودخلت اليهودية بلاد العرب بصفة عامة والمدينة وخيبر ووادي القرى وفدك وتيماء [يأتي خبرهم] بصفة خاصة عندما نزح إليها اليهود. ووصلت إلى اليمن، ودان بها ذو نواس الملك الحميري، وحاول حمل النصارى على اعتناقها كما ذكرنا سابقًا. وانتشرت في بني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة، وربما وصلتهم من يهود يثرب وخيبر [بلوغ الأرب].

وتسربت المسيحية إلى الغساسنة والمناذرة، ومن أشهر الأديرة في الحيرة: (دير هند الأقدم, ودير اللج, ودير حارة مريم) (معجم ما استعجم).وتسـربت إلى جنوبي الجزيرة العربية، وأنشئت كنيسة بظفار وأخرى بعدن [بلوغ الأرب]، ولنصارى نجران قصة مع الرسول في مكة وأخرى بالمدينة. سيأتي ذكرها.

ودانت بعض قبائل قريش بالمسيحية، منها: بنو أسد بن عبد العزى. كما اعتنقها بنو امرئ القيس بن تميم، وبنو تغلب بن ربيعة، وبعض قبائل قضاعة، وكأنهم تلقوا ذلك عن الروم [اليعقوبي]. وممن تنصر بنصرانية محرفة من العرب: عدي بن حاتم الطائي [البخاري.أحمد، حسن].

لم تنتشر اليهودية والنصرانية انتشارًا واسعًا في بلاد العرب كما هو واضح من تاريخهما وسيرتهما وسط القبائل والأفراد. ولم تندثر تمامًا ديانة إبراهيم عليه السلام بل تمسك بها نفر قليل جدًا وسط دياجير ظلام الجاهلية وعبادة الأوثان. وعرف هؤلاء النفر بالحنيفيين أو الحنفاء، فقد كانوا يؤمنون بالله تعالى ويوحدونه، توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية، وينتظرون النبوة [بلوغ الأرب].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة