حجم الخط:

ثانيًا: الحياة السياسية والاجتماعية في ظل المجوسية:

لقد شاع الفساد في إيران في ظل دياناتها الوثنية القديمة التي سبقت الزرادشتية، خاصة سكان البادية، فقد كان بعضهم يتعدى على بعض بالسلب والنهب وإزهاق الأرواح [زرادشت].

وعندما جاءت الزرادشتية حاولت القضاء على هذه المفاسد، ولكن إلى حين، وذلك لظهور عقائد أخرى مثل المانوية، والمزدكية.

وفي ظل المجوسية المنبثقة عن الزرادشتية، وفي ظل بقايا المانوية والمزدكية والديانات الإيرانية القديمة عاشت إيران في فوضى أخلاقية, وتشتت عقدي, وحروب دامية داخلية، وخارجية. فكثيرًا ما كان مقدسو النار يهزمون عبدة المسيح وينهبون أموالهم ويأسرون منهم. وأحيانًا كانت الدائرة تدور على الفرس - الإيرانيين - فيغلبهم الروم [تفسير ابن كثير].

وكان المجوس من الفرس لا يعبدون الإله الحق، ولم تتمكن الأخلاق الفاضلة في نفوسهم. وكان الأكاسرة يضطهدون الفرق الدينية المخالفة لهم في العقيدة.

ومن الممارسات الاجتماعية البارزة استحلال الزرادشتيين زواج المحارم، وقالوا: (الابن أحرى بتسكين شهوة أمه، وإذا مات الزوج فابنه أولى بالمرأة) [الغلو]، ولذلك تزوج ملكهم يزدجرد الثاني - حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي - ابنته، ثم قتلها. وتزوج بهرام جوبين - الذي ملك في القرن السادس الميلادي - بأخته [تاريخ الطبري].

وحظيت الدعوة المزدكية بتأييد الشباب والأغنياء والمترفين والطبقة العامة لما صادفته من هوى في نفوسهم، وحظيت بتأثير الحاكم كما قلنا لفترة، مما كان له أكبر الأثر في نشاطها. وانغمست إيران بتأثيرها في الفوضى الخلقية [الملل].

وكان للإيرانيين اعتقاد في البويتات الروحية والأشراف من قومهم، إذ يرونهم فوق العامة في طينتهم، وفوق مستوى الناس في عقولهم ونفوسهم، ويمنحونهم سلطة روحية لا حدَّ لها، ويخضعون لها خضوعًا كاملًا.

وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها عن بعض تمييزًا واضحًا. وكان لكل طبقة مركز محدد في المجتمع [ماذا خسر العالم؛ آرثر].

وكانوا يبالغون في تمجيد القومية الفارسية، ويرون أن لها فضلًا على سائر الأجناس والأمم، وأن الله قد خصها بمواهب ومنح لم يشرك فيها أحدًا. وكانوا ينظرون إلى الأمم من حولهم نظرة ازدراء وامتهان، ويلقبونها بألقاب تدل على هذه النظرة [تاريخ الطبري].

ولما كانت النار لا توحي إلى عبادها بشـريعة، ولا ترسل رسلًا، ولا تتدخل في شؤون حياتهم، ولا تعاقب العصاة المجرمين، فقد أصبحت الديانة عند المجوس - الذين حرفوا الزرادشتية الأصلية - عبارة عن طقوس وتقاليد تؤدى في أمكنة خاصة وفي ساعات خاصة. أما خارج المعابد، وفي دورهم وأماكن أعمالهم وفي الشارع وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك، فقد كانوا أحرارًا، يسيرون على هواهم شأن المشركين في كل عصر [الملل].

وهكذا حرمت الأمة الفارسية في حياتها - في ظل المجوسية - دينًا عميقًا جامعًا يكون مربيًا ومهذبًا وحاثًا على عمل الخيرات، ويكون نظامًا لكل أنشطة الإنسان والمجتمع والدولة، وحائلًا بين الناس وطغيان الأحكام [ماذا خسـر العالم]. وهو ما وجدوه في ظل الإسلام.

وحرمت حكمًا رشيدًا لقمع الفساد، بل كان ملوكها عنصـرًا أساسيًا من عناصر الإفساد، لأنهم تألهوا عندما لم يعبد الناس الإله الحق. وتنافسوا على العرش حتى إن ستة منهم تولوا العرش في أشهر قليلة، وبذلك تدهورت حتى قيمة العرش وأصبحت كل موارد البلاد ملكًا لملوكها الذين وصل بهم الترف والبذخ إلى حد خرافي، ومثال ذلك أن يزدجرد، آخر ملوكهم، عندما فر أمام الفتح الإسلامي، كان معه ألف طاه وألف مغن وألف قيم على النمور وألف قيم على البزاة، وحاشية أخرى، ومع ذلك كان يعتبر نفسه لاجئًا حقيرًا في حالة يرثى لها من قلة الحاشية وفقدان أسباب التسلية. وعاش الشعب في بؤس وشقاء تثقل كاهله الضرائب والحروب [آرثر، الطبري في التاريخ].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة