1- إن حفر الخندق يدخل في مفهوم المسلمين لقوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾[الأنفال:60], فينبغي على المسلمين اتخاذ وسائل القوة المتاحة مهما كان مصدرها, لأن الحكمة ضالة المؤمن, فحيثما وجدها التقطها.
2- لقد ضرب الرسول ﷺ المثل الأعلى للحكام والمحكومين في العدالة والمساواة وعدم الاستئثار بالراحة يوم وقف جنبًا إلى جنب مع أفراد جيشه ليعمل بيده في حفر الخندق. وهذه هي صفة العبودية الحقة التي تجلت في شخصية الرسول ﷺ.
3- أعطى الرسول ﷺ مثلًا آخر على رأفته بالمؤمنين, يوم شاركهم في حفر الخندق ويوم أشركهم معه في طُعَيم جابر, ولم يستأثر به مع قلة من الصحابة. وفي ضوء هذه المعاني يفهم قول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١٢٨﴾ ﴾[التوبة:128].
4- إن مجموعة المعجزات التي أجراها الله على يد نبيه محمد ﷺ أيام الخندق, سواء التي كانت في حفر الخندق أو تكثير طعيم جابر أو الرياح التي كانت نقمة على المشركين, لهي مجموعة أخرى في سلسة المعجزات الكثيرة التي أيد الله بها نبيه, ليقطع الحجة لدى المعاندين من المنافقين والمشركين وكل صنف من أصناف أعداء الدين. وقد أفردنا فصلًا لها.
5- إن الحكمة في استشارته ﷺ لبعض أصحابه في الصلح الذي اقترحته غطفان على الرسول ﷺ, هو أن الرسول ﷺ كان يريد أن يطمئن إلى مدى ما يتمتع به أصحابه من القوة المعنوية والاعتماد على نصر الله عز وجل وتوفيقه على الرغم من ذلك الذي فوجئوا به من اجتماع أشتات المشركين عليهم في كثرة ساحقة, إلى جانب خذلان بني قريظة للمسلمين ونقض مواثيقهم معهم.
6- وأما الدلالة التشريعية في هذه الاستشارة, فهي محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه. وهي بعد ذلك لا تحمل أي دلالة على جواز صرف المسلمين أعداءهم عن ديارهم إذا ما اقتحموها, باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم. إذ إن مما هو متفق عليه في أصول الشريعة الإسلامية أن الذي يحتج به من تصرفاته ﷺ إنما هو أقواله, وأفعاله التي قام بها, ثم لم يرد اعتراض عليها من الله في كتابه العزيز.
وليس في هذه الاستشارة دليل على جواز دفع المسلمين الجزية إلى أعدائهم. أما إذا ألجئوا إلى اقتطاع جزء من أموالهم فعليهم التربص بأعدائهم لاسترداد حقهم المسلوب. [انظر: البوطي: السيرة].
7- عندما شغل المشركون الرسول ﷺ وأصحابه عن صلاة العصر, صلوها قضاء بعد المغرب, وفي هذا دليل على مشروعية قضاء الفائتة.