القليب [البئر التي لم تطوى]
روى البخاري ومسلم وأحمد وابن إسحاق والطبراني وغيرهم أن الرسول ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش [كان مجموع قتلى المشركين سبعين كما سبق ذكره، وكما سيأتي ذكره، فلعل الآخرين دفنوا في أماكن أخرى كما في الفتح] فقذفوا في طَوِيٍّ من أَطْوَاءِ بدر خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصَة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليومَ الثالثَ أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيَّة فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟» فقال عمر: «يا رسول الله، ما تُكَلِّمُ من أجسادٍ لا أرواح لها»، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». [وإسناد أحمد وابن إسحاق والطبراني صحيح].
وعندما ألقوا في القليب، وفيهم عتبة بن ربيعة، نظر رسول الله ﷺ إلى وجه ابنه أبي حذيفة، فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال له النبي ﷺ: «لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟» فقال: «لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصـرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرًا». [ابن إسحاق، حسن].
وبعد نهاية المعركة وانتصار المسلمين وأخذ الأسرى، قيل للرسول ﷺ: «عليك بالعير، ليس دونها شيء». فناداه العباس أن ذلك لا يصلح له، قال: ولم؟ قال: «لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك». [مسند أحمد، وصححه شاكر، وجوده ابن كثير في التفسير، وحسنه الترمذي].
وكانت وقعة بدر الكبرى يوم الجمعة صبيحة سبع عشر من رمضان، العام التالي للهجرة. [ابن إسحاق، ابن سعد].