د- حكم وعظات وعبر من هذا المقطع:
1- إن في هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة دليلًا على مشروعية الهجرة، وهي الانتقال من بلد الكفر حيث يتعذر على العبد أن يعبد الله عز وجل، إلى دار يتمكن فيها مـن عـبادة الله سبحانه وتعالى بدون فتنة. وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة.
2- إن من أسس ودعامات الدين التضحية بالمال والوطن والنفس في سبيله، لأن الدين إذا فقد لم يغن من ورائه المال والوطن والنفس، بل سرعان ما يذهب كل ذلك أيضًا من ورائه، أما إذا قوي شأنه وقامت في المجتمع دعائمه ورسخت في الأفئدة عقيدته، فإن كل ما كان قد ذهب في سبيله من مال وأرض ووطن يعود أقوى من ذي قبل، حيث يحرسه سياج من الكرامة والقوة والبصيرة. ولذا كانت الهجرة نفسها ضربًا من ضروب العذاب والألم في سبيل الدين وتضحية بالوطن والمال، وتبديل محنة أقسى بأخرى أقل قسوة ريثما يأتي الفرج والنصر.
3- يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، سواء أكان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي النصراني، والذي أسلم بعد ذلك، أو كان مشركًا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم، وكأبي طالب الذي حمى الرسول ﷺ، والمطعم بن عدي الذي حمى النبي ﷺ عندما عاد من الطائف [البوطي].
4- إن في ارتداد عبيد الله بن جحش - إن صحت الرواية - عظه لمن يتعظ أو عبرة لمن يعتبر. فقد استكبر على المسلمين، لأنه كان أولًا من الحنفاء، ثم أسلم وهاجر مع زوجه أم حبيبة رضي الله عنها إلى الحبشة، ثم ارتد إلى النصرانية، وكان يقول للمسلمين: «فَتَّحْنَا وَصَأصَأتُم»، أي قد أبصرنا وأنتم تلتمسون البصـر ولم تُبصِـروا بعد. وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ قبل ذلك، فضـرب ذلك له ولهم مثلًا [ابن هشام، بسند صحيح], [يأتي تحقيق العوشن لهذه الرواية].