حجم الخط:

من دلائل النبوة أثناء حفر الخندق:

أجرى الله سبحانه وتعالى على يدي نبيه محمد ﷺ عدة معجزات أثناء حفر الخندق, ومن ذلك:

1- عندما لحظ جابر بن عبد الله رضي الله عنه ما يعانيه الرسول ﷺ من الجوع, استأذنه وذهب إلى زوجته وأخبرها بما رأى من المَخْمَصَة[الجوع] على الرسول ﷺ وطلب منها أن تصنع له طعامًا, فذبح عَنَاقًا له وطحنت زوجه صاعًا من شعير بقي لهما, وصنعت بُرْمَة, وذهب جابر فدعا النبي ﷺ إلى الطعام وسارره بكمية الطعام, وأنه طُعَيم يكفي لرجل أو رجلين, فدعا النبي ﷺ كل من كان حاضرًا وعددهم ألف, وتحير جابر وزوجته, لكن الله سبحانه وتعالى بارك في البرمة, فأكل منها كل الناس حتى شبعوا وتركوا فيها الكثير الذي أكل منه أهل جابر وأهدوا. [متفق عليه].[وانظر التفاصيل في المصدرين].

2- أخبر عمار بن ياسر, وهو يحفر معهم الخندق, بأن ستقتله الفئة الباغية, فقتل في صفين، وكان في جيش علي [مسلم].

3- وعندما اعترضت صخرة للصحابة وهم يحفرون, ضربها الرسول ﷺ ثلاث ضربات فتفتت. قال إثر الضـربة الأولى: «الله أكبر, أعطيت مفاتيح الشام, والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة؛ ثم ضربها الثانية, فقال: الله أكبر, أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض؛ ثم ضرب الثالثة, وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن, والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة». [أحمد: المسند وضعفه محققوالموسوعة الحديثية (18694)؛ النسائي, بسند حسن وأصله عند البخاري (4098) ومسلم (1803)].

وفي هذا الحديث بشارة بأن هذه المناطق سيفتحها المسلمون مستقبلًا, وهو ما حدث فعلاً، وكان موقف المؤمنين من هذه البشارة ما حكاه القرآن الكريم: ﴿ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾ ﴾[الأحزاب:22], وموقف المنافقين الذين سخروا من البشارة: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢﴾ ﴾[الأحزاب: 12] [قال الواحدي: (وزعم ابن السائب أن القائل مُعَتِّب بن قُشَيْر)].

وصورت الآيات من [13 إلى 20] من سورة الأحزاب نفسية المنافقين تصويرًا دقيقًا, وحكت أقوالهم في الإرجاف والتخذيل, وأساليبهم في التهرب من العمل في حفر الخندق وجهاد العدو.

ومع تخذيل المنافقين وقلة الطعام وشدة البرد, فقد تم حفر الخندق ليكون خط دفاع متين؛ ثم جمع النساء والأطفال وأصحاب الأعذار في حصن فَارع [مسلم], وهو لبني حارثة, لأنه كان أمنع حصون المسلمين آنذاك. [ابن إسحاق؛ الطبراني, برجال ثقات كما في المجمع؛ الواقدي].

وكانت خطة المسلمين أن يكون ظهرهم إلى جبل سَلْعٍ داخل المدينة [ابن إسحاق] ووجوههم إلى الخندق الذي يحجز بينهم وبين المشركين الذين نزلوا رومة بين الجرف والغابة ونقمى. [الطبري: التفسير, من مرسل عروة].

وعندما نظر الرسول ﷺ في حال العدو وحال المسلمين ورأى ضعف المسلمين وقوة المشركين, أراد أن يكسر شوكة المشركين, فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة زعيمي الأنصار, فاستشارهما في الصلح الذي عرضته عليه قبيلة غطفان, وهو أن يعطوا ثلث ثمار المدينة لعام كي ينصرفوا عن قتال المسلمين, ولم يبق إلا التوقيع على صحيفة الصلح, فقالا له: «لا والله ما أعطينا الدنية من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام». وفي رواية الطبراني أنهما قالا: «يا رسول الله: أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله, أو عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك, فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا, فو الله لقد رأيتنا وإياهم على سواء, ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى». فقطع رسول الله ﷺ المفاوضة مع الأعراب الذين كان يمثلهم الحارث الغطفاني, قائد بني مُرَّة. [البزار والطبراني, بإسنادين حسنين؛ ابن إسحاق؛ ابن سعد؛ ابن أبي شيبة في المصنف].

وفي الجانب الآخر أراد يهود بني النضير أن يجروا معهم إخوانهم يهود بني قريظة إلى نقض العهد والغدر بالمسلمين والوقوف مع الأحزاب. فأوفدوا حييًا بن أخطب للقيام بهذه المهمة. فجاء حيي إلى كعب بن أسد القرظي. وبعد حوار طويل بينهما أقنعه بنقض العهد مع المسلمين بحجة قوة الأحزاب ومقدرتهم على استئصال المسلمين, وأغراه بأن يدخل معه حصنه عندما ينصرف الأحزاب، بعد أداء مهمتهم. [ابن إسحاق؛ البيهقي: الدلائل, من حديث ابن عقبة].

وكان يومًا عصيبًا من الدهر, ذلك اليوم الذي علم فيه المسلمون نقض بني قريظة ما بينهم وبين المسلمين من عهد. وتكمن خطورة ذلك في موقعهم الذي يمكنهم من تسديد ضربة غادرة للمسلمين من الخلف. فقد كانت ديارهم في العوالي, إلى الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مهزور. [الحموي: معجم البلدان].

لقد أتاه الزبير بما يدل على غدرهم, ويومها قال له الرسول ﷺ: «فداك أبي وأمي, إن لكل نبي حواريًا, وحواريِّي الزبير» [متفق عليه]. ولزيادة الحيطة والحذر والتأكد من مثل هذه الأمور الخطيرة, أرسل الرسول ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخَوَّات بن جُبَيْر, فجاءوا إلى بني قريظة وتحدثوا معهم, ووجدوهم قد نكثوا العهد ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبين الرسول ﷺ إلا بني سَعْيَة [ابن إسحاق], فإنهم جاؤوا إلى المسلمين وفاء بالعهد. وعاد رسل المسلمين إلى الرسول ﷺ بالخبر اليقين. [ابن إسحاق؛ دلائل البيهقي, من حديث ابن عقبة؛ ابن سعد؛ الواقدي].

وعندما شاع هذا الخبر خاف المسلمون على ذراريهم من بني قريظة [نفسه], ومروا بوقت عصيب وابتلاء عظيم. ونزل القرآن واصفًا هذه الحالة: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴿١٠﴾ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿١١﴾ ﴾[الأحزاب: 10-11]. [ابن إسحاق؛ الطبري: التفسير, والأسانيد تعتضد].

فالذين جاؤوهم من فوقهم هم الأحزاب, وبنو قريظة من أسفل منهم, والذين ظنوا بالله الظنونا هم المنافقون. أما المؤمنون فقد صمدوا لهذا الامتحان. واتخذوا كل الوسائل الممكنة لاجتياز الامتحان, فنظموا فرقًا للحراسة, فكان سلمة بن أسلم الأوسي أميرًا لمائتي فارس وزيد بن حارثة أميرًا لثلاثمئة فارس, يطوفون المدينة ويكبرون لإشعار بني قريظة باليقظة حتى لا تحدثهم أنفسهم بأن يغدروا بالذرية التي في الحصون. [ابن سعد؛ الواقدي].

وعندما وصلت الأحزاب المدينة فوجئوا بوجود الخندق, فقاموا بعدة محاولات لاقتحامه, ولكنهم فشلوا لأن المسلمين كانوا يمطرونهم بوابل سهامهم كلما هموا بذلك, ولذا استمر الحصار لمدة أربع وعشرين ليلة. [ابن سعد, من مرسل ابن المسيب, وهو قوي].

وذكر ابن إسحاق وابن سعد أن بعض المشركين اقتحموا الخندق, وعد ابن إسحاق منهم: عَمُرو بن عبد وُدّ، وعكرمة بن أبي جهل، وهُبَيْرَة بن أبي وهب، وضِرَار ابن الخَطَّاب الشاعر بن مِرْدَاس, وزاد ابن سعد واحدًا على هؤلاء وهو: نَوْفَل ابن عبد الله. وذكر أن عليًا بارز عمرو بن عبد ود - فارس قريش- وقتله, وأن الزبير قتل نوفلًا المخزومي، وأن الثلاثة الآخرين فروا إلى معسكرهم.

وظلت مناوشات المشركين للمسلمين وتراشقهم معهم بالنبل دون انقطاع طيلة مدة الحصار, حتى إنهم شغلوا المسلمين يومًا عن أداء صلاة العصـر, فصلوها بعد الغروب [البخاري]. وذلك قبل أن تشرع صلاة الخوف, حيث شرعت في غزوة ذات الرقاع [البخاري] على رأي من يرى أن ذات الرقاع كانت بعد غزوة الخندق.

وقتل في هذه المناوشات ثلاثة من المشـركين واستشهد ستة من المسلمين [ابن إسحاق؛ ابن سعد, الواقدي] منهم سعد بن معاذ, الذي أصيب في أَكْحَلِهِ- عِرْقٌ في وسط الذراع- رماه حِبَّان بن العَرِقَة. وقد نصبت له خيمة في المسجد ليعوده الرسول ﷺ من قريب, ثم مات بعد غزوة بني قريظة, حين انتقض جرحه [البخاري]. وكانت تقوم على تمريضه رُفَيدة الأسلمية [ابن إسحاق]. وكان قد دعا الله أن يبقيه لحرب قريش إن كان قد بقي منها شيء ليجاهد فيهم وأن يفجر جرحه فيموت إن كان الله قد وضع الحرب بين قريش والمسلمين - إشارة - إلى هذه الحرب. فانفجر جرحه, فكان سبب موته [البخاري] وزاد ابن إسحاق أنه دعا الله قائلًا: «ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة».

وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم الخندق وبني قريظة: «حم, لا ينصـرون» [ابن إسحاق؛ أبو داود؛ الترمذي؛ أحمد: المسند؛ الحاكم؛ ويصح الخبر بشواهده ومتابعته].

لقد كفى الله المؤمنين القتال فهزم الأحزاب بوسيلتين: الأولى: تسخير الله نُعَيْم ابن مسعود ليخذِّل الأحزاب, والثانية: الرياح الهوجاء الباردة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة