حجم الخط:

5- سرية نخلة:

بعث رسول الله عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشـر شهرًا من الهجرة ومعه ثمانية رهط [أي دون العشرة] من المهاجرين. وكتب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، وذلك إمعانًا في السرية، وحتى لا يعلم أحد أين الاتجاه.

وفعل ما أمر به. وعندما فض الكتاب وجد فيه الأمر بأن يمضي حتى ينزل نخلة، بين مكة والطائف، ليرصد بها قريشًا ويعلم له من أخبارهم، وألا يستكره أحدًا من أصحابه. وعندما أخبر أصحابه بأمر الرسول مضوا معه جميعًا إلى وجهته.

وعندما نزلوا نخلة، مرت عير لقريش فيها ابن الحضـرمي وعثمان بن عبد الله ابن المغيرة, وأخوه نَوْفَل, والحَكَم بن كَيْسَان مولى هشام بن المغيرة.

وتشاور الصحابة في أمر الاستيلاء على هذه العير، لأن ذلك كان في آخر يوم من رجب، وهو شهر حرام، فخشوا أن يترتب على هذا القرار نتائج غير مرضية. وعندما وجدوا أنهم لو تركوهم هذه الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن به منهم، تشجعوا وأجمعوا أمرهم على قتل من يقدرون عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل. وأقبل ابن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين إلى رسول الله بالمدينة.

وقال لهم الرسول إنه لم يأمرهم بقتال في الشهر الحرام، وأبى أن يأخذ العير والأسيرين. وظن القوم أنهم هلكوا، وعنفهم إخوانهم المسلمون فيما فعلوا.

وقالت قريش: إن محمدًا وأصحابه قد استحلوا الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال.

فلما أكثر الناس في ذلك، أنزل الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢١٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢١٨﴾ [البقرة: 217-218]. وبها فرج الله عز وجل على المسلمين ما كانوا فيه من الهم، وقبض الرسول العير والأسيرين.

وعندما أرسلت قريش في فداء الأسيرين، اشترط الرسول أن يكون ذلك بعد مجيء سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، خشية منه عليهما من قريش. وكانا قد تخلفا عن القوم قبل وصولهم نخلة، بحثًا عن بعيرهم الذي أضلاه. [الطبراني، بإسناد حسن كما قال الهيثمي في المجمع].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة