أ- المرحلة الأولى: الدعوة السرية:
استجاب الرسول ﷺ للأوامر الإلهية التي صدرت له بالتبليغ، وقد جاءت هذه الأوامر واضحة في الآيات التي نزلت بعد آيات سورة العلق: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ ﴾[المدثر:1-7].
لقد لخصت هذه الآيات الكريمات مضمون الدعوة التي أنيط به تبليغها إلى الناس. ولا تكاد الآيات القرآنية التي نزلت في مكة تخرج عن إطارها العام.
ففي قوله تعالى له: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ ﴾، إشارة إلى أن زمان التدثر والخلود إلى الراحة في المضجع بين الزوجة والأبناء قد ولى، وجاء زمان المجاهدة بكل أبعادها، المادية والمعنوية.
وفي قوله: ﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ ﴾، إشارة إلى تكليفه بأمر دعوة كل الناس إلى الإسلام. وفي قوله تعالى: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ ﴾، إشارة إلى أن ليس في الوجود أكبر من الله تعالى خالق الوجود. ولذا عليه أن يُعلم الناس بهذه الحقيقة ليتواضع الناس كلهم لله الكبير المتعال. وهذا هو التوحيد المطلق.
وفي قوله تعالى: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ ﴾، إشارة إلى أن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى لابد أن يبدأ بتطهير نفسه ظاهرًا وباطنًا حتى يكون المثل الأعلى لمن يدعوهم إلى الطهارة بكل معانيها.
وفي قوله تعالى: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ ﴾، إشارة إلى أن التوحيد الخالص يقتضـي عدم تعظيم أو تقديس أي شيء سوى الله تعالى الخالق.
وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ ﴾، إشارة إلى أن ما خص به من منع إعطاء الشيء ابتغاء شيء أكثر منه هو أنه مأمور بأجمل الأخلاق وأشرف الآداب ليكون مثلًا أعلى للبشرية وهو يدعوها إلى مكارم الأخلاق.
وللقيام بهذه الأمور كان لابد من ختمها بحقيقة هامة للوصول إلى الأهداف المرجوة من هذه الأوامر، هذه الحقيقة هي أن تَحَمُّلَ أمانة الدعوة في عناصرها المذكورة لابد له من الصبر على كل أصناف أذى المعارضين، والصبر على تربية الأتباع، والصبر على الإبتلاء، فال تعالى: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ ﴾.
نهض الرسول ﷺ من فراشه وأخذ يدعو إلى ما أمر به سرًا لمدة ثلاث سنين كما ذكر ابن إسحاق، ولفظه: «وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه». ومما يدل على السـرية في الدعوة ما جاء في خبر إسلام عمرو بن عَبَسَة رضي الله عنه عند مسلم، حيث قال: «أتيت رسول الله ﷺ في أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذٍ مُسْتَخفٍ...». وبدأ بالدعوة إلى التوحيد ونبذ كل مظاهر الشرك.
وكان تحركه في هذه الفترة [كما روى ابن هشام] وسط الذين تربطهم به صلات، مثل زوجته وبناته ومولاه زيد بن حارثة وربيبه علي بن أبي طالب وأصدقائه وكل من يطمئن إلى أنه يكتم السر. ولهذا يلحظ أن من أوائل الذين دخلوا في الإسلام:
1- زوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت أول من آمن بالله وبرسوله - كما هو مشهور - وهوَّنت عليه أمر الناس، وكانت بذلك أول مَنْ أُمِر الرسول ﷺ بتبشيره بالجنة، قال رسول الله ﷺ [في الحديث المتفق عليه]: «أمرت أن أبشـر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». وقد جاءت الأحاديث الصحيحة كثيرة في فضائلها وأخبارها.
2- ابن عمه علي بن أبي طالب الذي كان في حجره، وهو يومئذٍ ابن عشر سنين على أصح الأقوال [ابن إسحاق في السيرة بسند حسن].
3- مولاه زيد بن حارثة، الذي قال له الرسول ﷺ عندما جاء أبوه يطلبه [كما في صحيح الترمذي]: «إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك»، فأقام عنده وحرره وتبناه، وعرف بـ(زيد بن محمد) حتى نزلت آية: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ ﴾[الأحزاب:5]، وبذلك أبطلت عادة التبني.
4- أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أول من صدق وأسلم من الرجال، وفيه قال الرسول ﷺ لعمر [من رواية البخاري]: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق...». وقال [من رواية ابن إسحاق في السير والمغازي بسند منقطع]: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر، ما عَتَمَ حين ذكرته وما تردد فيه». وقال هو عن نفسه عندما اختير خليفة للمسلمين: «أَلَسْتُ أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟...» [صحيح الترمذي].
وفي إطار هذه السرية تحرك أبو بكر وسط أقاربه ومواليه وأصدقائه ومن يثق به من قومه. فاستجاب له نفر كريم، منهم: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف -[ابن إسحاق]-، وعثمان بن مظعون وأبو عبيدة بن الجراح وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. [ابن كثير: البداية].
ومن خلال علاقات هؤلاء وغيرهم أخذ الإسلام ينتشر في مكة وخارجها، ودخل فيه أناس من بطون قريش ومواليها كافة.
وممن اشتهروا بين السابقين إلى الإسلام من الموالي: بلال بن رباح وصهيب ابن سنان وعمار بن ياسر ووالده وأمه سمية بنت خباط [أحمد: فضائل الصحابة بسند حسن] [والخطأ المشهور (خياط)].
وفي فترة وجيزة وصل عدد الذين سبقوا إلى الإسلام من بطون قريش إلى أكثر من أربعين نفرًا، كما عدهم ابن هشام، وأكثر من خمسين كما عدهم اليعمري - ابن سيد الناس.
5- وثبت، من رواية أحمد [في المستند بسند حسن؛ وابن سعد (3/ 233)، مرسلًا صحيحًا]، أن ورقة بن نوفل كان من المسلمين الأوائل، وذلك بدليل قول الرسول ﷺ: «لقد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض». وقال ﷺ في رواية أخرى [عند أبي يعلى، بسند حسن]: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة، وعليه السندس», وقال ﷺ [من رواية البزار بسند جيد، والحاكم بسند صحيح]: «لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين»، وقال: «يبعث يوم القيامة أمة وحدة» [الطبراني، برجال الصحيح].
ويتضح من سجل أسماء السابقين الأولين إلى الإسلام أنهم كانوا من خيرة أقوامهم، ولم يكونوا كما يذكر بعض الكتاب المسلمين وغيرهم أنهم كانوا في معظمهم خليطًا من الفقراء والضعفاء والأرقاء الذين أرادوا استعادة حريتهم أو كرامتهم.
والقول السديد في هذا هو أن الذين تحملوا القسط الأكبر من التعذيب هم الأرقاء والموالي، وكانت فتنتهم على ملأ من الناس، ولذا انتشر أمرهم، بينما امتنع الآخرون بأقوامهم، ومن عذب منهم عذب ضمن قبيلته.
ولذا لم ينتشر أمرهم، ولم يذكروا كثيرًا [الشامي: المعين].
وفي هذه المعاني رويت عدة أحاديث، منها ما رواه أحمد [في الفضائل بسند حسن] عن ابن مسعود، قال: «أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس...».
وذكر ابن إسحاق [في السيرة] إن قريشًا عَدَتْ على من أسلم ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. وذكر أن رجلًا من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد حين أسلم أخوه الوليد يستأذنونه في اتخاذ ما يرونه من وسائل لصده عن الدين هو ومن أسلم معه من فتية بني مخزوم، الذين كان منهم سلمة ابن هشام وعياش بن أبي ربيعة. فسمح لهم بما يريدون وحذرهم من قتله.
وروى ابن إسحاق [بسند حسن] في قصة هجرة عمر وقصة عياش معه أن قريشًا منعت هشام بن العاص بن وائل السهمي من الهجرة مع عمر وعياش وفتنته فافتتن، واحتالوا على عياش فردوه من المدينة إلى مكة مقيدًا.
وروى البخاري أن عمر بن الخطاب كان قبل أن يسلم يوثق سعيد بن زيد، ابن عمه وزوج اخته، ويكرهه ليرجع عن الإسلام. ولم يستطع الرسول ﷺ أن يفعل لهم شيئًا.
وحتى عندما استقر الرسول ﷺ بالمدينة لم يملك لهؤلاء غير الدعاء، حيث كان يقول: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضـر واجعلها عليهم سنين كَسِنِيِّ يوسف» [متفق عليه؛ وأحمد في المسند].
وقد أوضح ابن حجر [في الفتح] معنى كلمتي (الضعفاء) و (الشرفاء) اللتين وردتا في حديث هرقل مع أبي سفيان. [يأتي ذكره]
فمعنى الأولى عنده أن أتباع الرسل في الغالب أهل الاستكانة لا أهل الاستكبار الذين أصروا على الشقاق بغيًا وحسدًا، كأبي جهل وأتباعه. وفي معنى الثانية أن الشرف يقصد به ما يرادف التكبر. وهذا هو التفسير الذي ينبغي أن نفهم في ضوئه ما يرد من عبارات تتعلق بالشرفاء أو المستضعفين.
هذا ويلحظ أن من مجموع السبعة والستين الذين سبقوا إلى الإسلام ثلاثة عشـر فقط ممن هم من الفقراء والمستضعفين والموالي والأرقاء والأخلاط من مختلف الأعاجم. فهم إذن الخمس من المجموع. وما كان كذلك لا يقال عنه (أكثرهم) ولا (معظمهم) ولا (عامتهم) [الشامي: من معين السيرة].