حجم الخط:

Adobe Systemsأكذوبة معرفة الأثر:

السؤال: يذهب بعض العامة عند إرادة الزواج إلى بَعْض المنجمين ليخبرهم عما سيكون عليه حال الزوجين من تَوَافُق أو اختلاف، ويذهبون عند اشتداد المرض على مريض إلى عراف، ومعهم منديله ليخبرهم بوساطة المنديل عما سيكون عليه من شفاء أو موت، فهل ذلك جائز شرعاً؟

الجواب: كل ذلك وأشباهه باطل من القول وَزُور من العمل لم يُعْرَف في عهد النبوة ولا في الصدر الأول، ولم يَرِد له أَصْل في الدين، بل وَرَدَ النهي عنه صريحاً كتاباً وسُنَّة، وهو ضَرْب مِن الاستقسام بالأزلام الذي كانوا يَفْعَلُونه في الجاهلية لِيَعْرفوا ما قُسِمَ لهم وما لم يُقسَم لهم، فحَرَّمه الله تعالى في سياق المحرمات: ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ [المائدة: 3] أي: تَتَعَرَّفوا ما قُسِمَ لكم بَواسطتها. وهو نَوْع من الكَهَانَة، إذ الكاهن من يدَّعِي علم المستقبل بالتنجيم أو زَجْر الطير أو طَرْق الحصى والوَدَع ونحوه، أو فنجان القهوة.

وقد نهى رسول الله عن كل ذلك. فَعَنْ عائشة قالت: «سَأَلَ رسولَ الله ناسٌ عن الكُهَّان فقال: ليسوا بشيء»[1] متفق عليه. ومعناه أن قَوْلهم باطل لا حقيقة له.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله : «مَن اقتبس عِلْماً من النجوم اقتبس شُعْبَة من السحر»[2] رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. فأفاد أنه حَرَام كالسحر، فكما أن تَعَلُّمَ السحر والعمل به حرام فكَذَا تَعَلُّمُ علم النجوم لهذا القَصْد، والعمل به حَرَام.

وعن أبي هريرة أن النبي قال: «مَن أتى كاهناً أو عرافاً فَصَدَّقَه بما يقول فقد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على محمد»[3] رواه أحمد ومسلم. والمراد بالكفر حقيقته إن اعتقد أنهما يعلمان الغيب، وإلا فالمراد به المعصية الكبيرة القريبة من الكفر.

وعن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي قال: «من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً»[4] رواه أحمد ومسلم. أي: لم يجعل له ثواباً فيها.

فهؤلاء كلهم كهان يُحَرَّم عليهم التكهن، ويُحَرَّم على الإنسان أن يسألهم، أو يستمع لهم، أو يصدقهم، ويحرم عليه أن يعطيهم أجراً، وهو حرام، وسماه الشارع (حُلْوَان الكاهن) وجعله كسباً خبيثاً.

والالتجاء إلى هذه الوسائل لمعرفة المستقبل من الأقدار مُفسِد للعقول وضار بالمصالح، إذ يعتقد من سمع أقوالهم أنهم قد اطَّلَعوا على ما حُجِبَ عنه، فيُقدِم أو يُحجِم، ويَفرح أو يَحزن، ويعيش في تصرفه وراء أوهام وخيالات، وقد يكون الشر فيما ظنه خيراً، والخير فيما ظنه شرّاً.

والشريعة الغراء كما حافظت على الأبدان بوقايتها من المحرمات التي تضعفها أو تهدمها كالمخدرات والمسكرات، حافظت على العقول مما يُوهِنُهَا أو يفسدها، ومن ذلك منعها من الجري وراء هذا السراب حتى يَبقَى ميزان الفهم ومَدَار العلم سليماً من الآفات. وكم يكون الإنسان سعيداً إذا أخذ في أَمْرِه كله بالأسباب الطبيعية، وفكر بعقله، مهتدياً بتجاربه واستشارته ذوي الرأي الناضج، ثم أَقْدَم على ما يريد معتمداً على الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ [الطلاق: 3] كافيه.

وكم يكون شقيّاً إذا ظل حياته عبد الأوهام والخرافات، حليف الشعوذة والتكهنات، يقلد الخادعين، ويجري وراء الدجالين، ويُلغي عقله الموهوب له للتفكر والتبصر.

وينبغي أن يُعلَمَ أنه ليس من هذا الباب الاستخارة الثابتة في السنة الصحيحة ولا التفاؤل بالفأل الحسن، كما لا يَخفَى على المتأمل، وإن أَرَدْتَ المزيد فعليك بمراجعة كتب السنة وتفسير الآلوسي وغيره لآية المائدة. والله أعلم. المفتي: حسنين مخلوف [من فتاوى علماء الأزهر]

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة