السؤال: هل أطلع الله أحداً على علم الغيب؟
الجواب: مما يتصل بالعقيدة الإيمان بالغيب، كما قال تعالى في وصف المتقين: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 3]، وقد وردت نصوص تتحدث عن الغيب، منها قوله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ ﴾ [الأنعام: 59]، وصح في الحديث الذي رواه البخاري أنها خمس[1]، وهي التي جاءت في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ٣٤ ﴾ [لقمان: 34]، وقوله تعالى: ﱡﭐ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ٢٧ ﱠ [الجن: 26، 27]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ١٨٨ ﴾ [الأعراف: 188]، والغيب ما قابل الشهادة، أي: ما يغيب على الإنسان العلم به، ومنه ما يمكن التوصل إليه بالوسائل المختلفة، كالمسروق يعرف بالبحث عنه، والمجهول يعرف بالتعلم، كالكهرباء والفيروسات وما إليها، ومنه ما لا يمكن التوصل إلى معرفته بالوسائل العادية بل لا بد فيه من خبر صادق، كأحوال الآخرة، التي يجب أن نؤمن بها لورودها في القرآن والسنة.
ومن الغيب قيام الساعة وما ذكر في مفاتح الغيب، وقد يعرف شيء منها بإطلاع الله سبحانه عليها من يرتضيه من الرسل، كما نصت على ذلك الآية.
والإيمان باختصاص الله بعلم مفاتح العيب واجب بدليل الحصر في قوله: ﴿ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ ﴾ [الأنعام: 59]. ومن ادعى عَدم اختصاصه بذلك كفر، لأنه كذب القرآن الكريم الصريح في الدلالة عليه...
وقد حاول الإنسان أن يبحث عن المجهول المستقبل منذ خلق وفيه غريزة حب الاستطلاع، وبذل في ذلك جهوداً كبيرة، واتخذ وسائل متعددة.
وكان من هذه الوسائل ما عرف باسم الكهانة والتنجيم والعرافة والطيرة والطرق وضرب الرمل وقراءة الفنجان وقياس الأثر، وما يبتكر غير ذلك.
وفيما يلي تعريف بكل منها:
1 – الكهانة: هي ادعاء علم الغيب بالإخبار عن المضمرات، أو عن المغيبات في مستقبل الزمان بأية وسيلة من الوسائل، وقد تختص بما كان فيه اتصال بالجن (يراجع شرح النووي على صحيح مسلم 5/22).
2 -التنجيم: وهو الاستدلال بالنجوم في مواقعها وتحركاتها على ما سيكون في المستقبل من مطر أو حر أو برد أو مرض أو موت وغير ذلك. وقيل: هو الكهانة (يراجع شرح النووي على صحيح مسلم 5/22).
3 - العرافة: هي ادعاء معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقه، والضالة أين مكانها، وقيل: هي السحر (يراجع شرح النووي على صحيح مسلم 5/22).
4- الطيرة: بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن -وهي مصدر تطير، مثل تخير خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما-ومعناها التشاؤم بالشيء، أو الاستدلال من طيران الطائر، أو من رؤية شيء أو سماع صوت على ما سيحصل للإنسان، وقد كان العرب يزجرون الطير من أماكنها، فإن طارت يميناً استبشرت، وإن طارت شمالاً تشاءمت، ويقال لها أيضاً (العيافة) من عاف عيفاً، وسيجيء حديث عن الفرق بين الطيرة والفأل.
5 - الطرق: وهو الضرب بالحصا أو الودع، وقيل: هو الطيرة، وقيل: ضرب الرمل.
6- ضرب الرمل: وهو وضع خطوط وعلامات على الرمل، لمعرفة ما يخبأ للإنسان، ويعرف أيضاً بالخط، روى مسلم أن النبي ﷺ سئل عنه فقال: «كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك»[2]، وكذَّب ابن القيم نسبة الخط إلى إدريس عليه السلام ... [3].
7 - قراءة الفنجان: وهي الاستدلال بآثار القهوة على الفنجان على ما يفكر فيه شاربه، ويزعم بعض المعاصرين أن أثر الزفير على القهوة يعطي مؤشرات صادقة...
8 - قياس الأثر: وهو أخذ قطعة من ثياب الإنسان أو متعلقاته وقياسها بالشبر والأصابع، والاستدلال بذلك على ما يكون لصاحبه.
وهذه الأشياء وأمثالها نهى الإسلام عنها؛ لأنها تتنافى مع اختصاص علم الله بالغيب، يقول النبي ﷺ «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»[4] رواه البزار بإسناد جيد والطبراني[5] بإسناد حسن دون قوله: «ومن أتى كاهنا»، ويقول: «من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزله الله على محمد، ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»[6] رواه الطبراني، ويقول: «من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً»[7] رواه مسلم، ويقول: «من أتى عرافاً أو كاهناً فصدق بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»[8] رواه أصحاب السنن الأربعة والحاكم وصححه، ويقول: «من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد»[9] رواه أبو داود وابن ماجه. ويقول: «العيافة والطير والطرق من الجبت»[10] رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه. والجبت ما عبد من دون الله.
وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن الجن لا يعلمون الغيب، فكيف يصدقها من يعتمد على أخبارها؟ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ [سبأ: 14]، والاتصال بالجن ممكن، وكذلك استخدامهم في بعض الأغراض، فقد سخرهم الله لسليمان كمعجزة، فلا مانع من تسخيرهم لغيره، ولم يرد نص يمنع ذلك، وقد حدث لبعض الناس بطرق يعرفونها، ووضح ذلك المحدث الشبلي في كتابه (آكام المرجان).
يتبين من هذه النصوص أن الاعتقاد بأن غير الله يعلم الغيب علماً يقينياً شاملاً كفر بما جاء في القرآن الكريم خاصاً بذلك، ومن مارس هذه الأعمال ينسحب حكمه على من يلجؤون إليه لمعرفة الغيب، فمن صدقه فقد كفر، ومن لم يصدقه فقد ارتكب إثماً عظيماً ينقص من إيمانه، ولا يقبل الله صلاته أربعين يوماً.
روى الشيخان أن ناساً سألوا النبي ﷺ عن الكاهن أو الكهان فقال: «لا، ليسوا بشيء. فقالوا: يا رسول الله! إنهم يحدثونا أحياناً بشيء أو بالشيء فيكون حقاً، فقال رسول الله ﷺ: تلك الكلمة من الوحي يخطفها الجني فيقرها - أي: يلقيها- في أذن وليه، فيخلط معها مائة كذبة»[11]، وجاء في البخاري: «إن الملائكة تنزل في العنان، وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السماء، فيسترق الشيطان السمع فيسمعه، فيوجه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم»[12].
هذا وقد أبدلنا بهذه الأمور وسيلة يمكن بها أن نطمئن لما نقدم عليه من عمل، وهي صلاة الاستخارة مع دعائها المعروف الذي جاء به الحديث الصحيح الذي رواه البخاري[13].
ولنسمع قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ٣٦ ﴾ [الإسراء: 36].
تنبيهات:
التنبيه الأول عن علم الساعة: سبق بيان أن علم الساعة من مفاتح الغيب التي استأثر الله بعلمها، والآيات القرآنية كثيرة في ذلك، وكذلك الأحاديث النبوية الصحيحة، التي من أقواها حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ عنها، فقال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»[14] ثم ذكر له بعض علاماتها. ومع ذلك حاول بعض الناس قديماً وحديثاً معرفة موعدها، وأثبت الواقع خطأهم...
وليس المهم هو معرفة وقت قيامها بل المهم هو الاستعداد لها، وقيامة كل إنسان موته أو عقب موته، فمن مات فقد قامت قيامته؛ لأنه لا عمل بعد الموت، بل جزاء وحساب، كما في القيامة الكبرى. وقد نبه النبي ﷺ من سأله عنها إلى الاستعداد لها، فكل من الموت والقيامة يأتي بغتة، روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه «أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ: متى الساعة؟ فقال: ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت»[15].
التنبيه الثاني عن العلم بما في الأرحام: مما اختص الله بعلمه: ما في الأرحام، كما سبق في الآية، وكما قال تعالى أيضاً: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ [الرعد: 8]، ولا ينافي ذلك ما يقال: إن بعض الناس توصلوا إلى معرفة نوع الجنين قبل أن يولد من بطن أمه، وهو ما يزال في الرحم حتى أيامه الأولى، ذلك أن علم الله بما في الأرحام علم شامل، وفي الوقت نفسه علم يقيني لا ظني، فالله يعلم المولود قبل أن يولد، بل قبل أن يتكون أصلاً، يعلمه علماً شاملاً، ويخبر الملائكة ببعض ما يعلمه عنه، وهم لا يعلمون عنه شيئاً قبل أن يخبرهم الله به، كما قال سبحانه عنهم: ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ ﴾ [البقرة: 32]، جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»[16] رواه البخاري، وفي بعض الروايات «ذكر أم أنثى»[17] بدل «عمله».
فلو فرضنا أن الإنسان عرف نوع الجنين فهل يعرف ما بقي من رزقه وأجله، وما تنتهي إليه حياته من سعادة أو شقاء، على أن معرفة نوع الجنين لا تتيسر في كل الحالات، بل في فترة معينة، أما الله سبحانه وتعالى فيعلم ذلك كل وقت، بل قبل أن يتكون الجنين كما قلنا، وعلم الله بذلك علم يقيني لا يتطرق إليه الشك، وعلم الإنسان ظن وأحياناً يتخلف، ولبعض الناس شواهد لمعرفة نوع الجنين لا تعدو أن تكون ظنوناً (انظر كتاب: منهج الإسلام في تربية الأولاد).
التنبيه الثالث عن التنجيم: ينبغي الفرق بين التنجيم وعلم النجوم أو الفلك، فالتنجيم حدس واستنباط لا يقوم على أسس علمية صحيحة لا تخطئ، أما علم النجوم فهو علم يدعو إليه الدين لمعرفة أسرار الكون والإيمان بالله أو تعميق الإيمان به، وقد جاءت الآيات الكثيرة تدعو إلى التفكر في خلق السماوات والأرض، والإفادة من مسخرات الكون مادياً وأدبياً.
يقول ابن حجر الهيتمي (الزواجر: 2/110): "والمنهي عنه من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان، لمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الأسعار ونحو ذلك، يزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب لاقترانها وافتراقها وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره، فمن ادعى علمه بذلك فهو فاسق، بل ربما يؤدي به إلى الكفر. أما من يقول: إن الاقتران والافتراق الذي هو كذا جعله الله علامة، بمقتضى ما اطردت به عادته الإلهية، على وقوع كذا وقد يتخلف فإنه لا إثم عليه بذلك، وكذا الإخبار عما يدرك بطريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف بها الزوال وجهة القبلة، وكم مضى وكم بقي من الوقت، فإنه لا إثم فيه، بل هو فرض كفاية. وفى حديث الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في أثر سماء - أي: مطر- كانت في الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا- أي وقت النجم الفلاني - فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب»[18].
قال العلماء: من قال ذلك مريداً أن النوء هو المحدث والموجد فهو كافر. أو أنه علامة على نزول المطر، والذي ينزله هو الله وحده، لم يكفر، ويكره قول ذلك؛ لأنه من ألفاظ الكفرة".
والمهم أن يكون الاعتقاد صحيحاً في أن الله هو فاعل كل شيء، وأنه وراء الأسباب جميعاً، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، وما يصل إليه الباحثون ويستنتجونه هو ظن قد يصدق بعضه، ويتخلف البعض الآخر.
التنبيه الرابع عن الطيرة والفأل: سبق القول بأن الطيرة أو التطير يقوم على الربط بين ما يحصل للإنسان في المستقبل وبين رؤية شيء أو سماع صوت، والتشاؤم نوع من التطير إذا كان رد الفعل مكروهاً، ويقابله التفاؤل والفأل إذا كان رد الفعل مقبولاً، وقد تستعمل هذه الألفاظ بعضها مكان البعض الآخر. والباعث عليه هو رغبة الإنسان في معرفة ما يغيب له، وهو قديم تحدث عنه القرآن الكريم، فقال عن ثمود قوم صالح عليه السلام : ﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ۖ ﴾ [النمل: 47]، وعن قوم موسى عليه السلام: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأعراف: 131]، وعن أصحاب القرية التي بعث إليها أصحاب عيسى عليه السلام : ﱡﭐ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٨ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ﱠ [يس: 18، 19].
وكان معروفاً عند العرب في الجاهلية، وبخاصة في طيران الطير أو زجره أو زجر الوحوش وإثارتها، فما تيامن منها سموه "السانح" وما تياسر سموه "البارح"، وما استقبلهم سموه "الناطح" وما جاءهم من الخلف سموه "القعيد أو القاعد"...
وقد ذم الله التطير وحكاه عن قوم هم أعداء الرسل، ومعنى طائركم وطائرهم ما قضى وقدره عليهم بسبب كفرهم وتكذيبهم، وهو راجع عليهم، وذمه النبي ﷺ في حديث الصحيحين عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب بقوله: «ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون»[19] وفي غير ذلك من الأحاديث التي سبق ذكرها. وجاء في مسلم أن معاوية بن الحكم السلمي قال: «يا رسول الله! ومنا أناس يتطيرون، فقال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنه»[20]، فبين أن تأثيرها ليس من ذاتها، بل من الإنسان نفسه الذي يعتقد فيها.
ومع نهي النبي ﷺ عن الطيرة كان يحب الفأل الحسن، ففي الصحيحين: «لا عدوى ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح»[21] وفي لفظ «وخيرها الفأل»[22] وفي لفظ «وأصدقها الفأل»[23]...
وفي الصحيحين أنه قال: «الشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة»[24] وفي الموطأ أنه «أمر امرأة بالتحول من دارها لما أصابهم فيها من مكروه»[25].
وقد علق ابن القيم على ذلك بأن الفأل ليس فيه شرك بل فيه تقرير لطبيعة الإنسان في حب الخير وكراهية الشر، كما يحب الصوت الحسن والرائحة الطيبة والأخبار السارة عن الخصب والصحة والانتصار، مع اعتقاد أن هذه الأمور لا تؤثر أبداً إلا بإذن الله كما في التشاؤم بالدار، والتشاؤم قد يؤدي الى الشرك وترك التوكل على الله. أما الفأل فيفضي إلى الأمل والطاعة وتوحيد الله.
وقال بعضهم في الفرق بين التطير والفأل: إن الفأل فيه إبانة عن شيء حاصل في النفس، وهو الارتياح الذي ظهر بسماع الاسم الحسن مثلاً، أما التطير ففيه استدلال على شيء غير حاصل...
ثم يجيب ابن القيم إجابة جامعة عن كل ما نسب إلى الرسول وغيره من الفأل بقوله: "إن بين الأسماء والمسميات ارتباطاً بقدرة الله، وألهمه الله للعباد، وليس ارتباط العلة بمعلولها، بل ارتباط تناسب وتشاكل، ولكل شيء من اسمه نصيب بقدر ما، ووقوع حوادث مرتبطة بأشياء أخرى هو مصادفة واتفاق وليس على سبيل التسبب والتأثير".
ثم يقول: "تعطيل الأسباب تعطيل للشرع ومصالح الدنيا، والاعتماد عليها كلية شرك بالله تعالى، فالمقامات ثلاثة: أحدها تجريد التوحيد وإثبات الأسباب، وهو ما جاء به الشرع، والثاني الشرك في الأسباب بالمعبود، والثالث إنكار الأسباب بالكلية محافظة من منكرها على التوحيد. فالمنحرفون طرفان مذمومان..." المفتي: عطية صقر [من فتاوى علماء الأزهر]