المراد بـ«اللمم» في سورة النجم:
السؤال: ما تفسير قوله تعالى: ﴿ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ ﴾ [النجم:32]؟
الجواب: تفسير قوله تعالى في سورة النجم: ﱡﭐ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ٣١ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﱠ [النجم:31، 32].
ومحل السؤال هنا هو قوله تعالى: (إلا اللمم)، ونفيد بأن علماء التفسير رحمهم الله اختلفوا في تفسير ذلك، وذكروا أقوالاً في معناه أحسنها قولان:
أحدهما: أن المراد به ما يلم به الإنسان من صغائر الذنوب كالنظرة والاستماع لبعض ما لا يجوز من محقرات الذنوب وصغائرها ونحو ذلك، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من السلف، واحتجوا على ذلك بقوله سبحانه في سورة النساء: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ٣١ ﴾ [النساء:31]، قالوا: فالمراد بالسيئات المذكورة في هذه الآية هي صغائر الذنوب وهي: اللمم؛ لأن كل إنسان يصعب عليه التحرز من ذلك، فمن رحمة الله سبحانه أن وعد المؤمنين بغفران ذلك لهم إذا اجتنبوا الكبائر، ولم يصروا على الصغائر.
وأحسن ما قيل في تعريف الكبائر: إنها أنها المعاصي التي فيها حد في الدنيا كالسرقة، والزنا، والقذف، وشرب المسكر، أو فيها وعيد في الآخرة بغضب من الله أو لعنة أو نار كالربا، والغيبة، والنميمة، والسب، والشتم، ومما يدل على غفران الصغائر واجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر قول النبي ﷺ: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان الكلام، وزنا الأذن الاستماع، وزنا اليد البطش، وزنا الرجل الخُطى، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»[1].
ومن الأدلة على وجوب الحذر من الصغائر والكبائر جميعاً وعدم الإصرار عليها قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٣٥ أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ١٣٦ ﴾ [آل عمران:135، 136].
القول الثاني: إن المراد باللمم: هو ما يلم به الإنسان من المعاصي، ثم يتوب إلى الله من ذلك، كما في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ [آل عمران:135]، وقوله سبحانه: ﱡﭐ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣١ ﱠ [النور:31]، وما جاء في معنى ذلك من الآيات الكريمات، وقول النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»[2]؛ ولأن كل إنسان معرض للخطأ، والتوبة النصوح يمحو الله بها الذنوب، وهي المشتملة على الندم على ما وقع من المعصية والإقلاع منها، والعزيمة الصادقة على ألا يعود إليها خوفاً من الله سبحانه، وتعظيماً له، ورجاء مغفرته..
ومن تمام التوبة إذا كانت المعصية تتعلق بحق الآدميين كالسرقة، والغضب، والقذف، والضرب، والسب، والغيبة، ونحو ذلك -أن يعطيهم حقوقهم، أو يستحلهم منها، إلا إذا كانت المعصية غيبة- وهي الكلام في العرض- ولم يتيسر استحلال صاحبها حذراً من وقوع شر أكثر، فإنه يكفي في ذلك أن يدعو له بظهر الغيب، وأن يذكره بما يعلم من صفاته الطيبة، وأعماله الحسنة في الأماكن التي اغتابه فيها، ولا حاجة إلى إخباره بغيبته إذا كان يخشى الوقوع في شر أكثر.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما فيه رضاه، وأن يحفظنا وإياكم من كل سوء، وأن يمن علينا جميعاً بالاستقامة على دينه، والسلامة من أسباب غضبه، والتوبة إليه سبحانه من جميع ما يخالف شرعه، إنه جواد كريم. [من فتاوى ابن باز]