حجم الخط:

الاتصال اللفظي:

من كرم الله تعالى على البشر أن ميزهم بالقدرة على البيان؛ بل إن الله تعالى أسجد ملائكته لآدم عليه السلام تكريمًا وتشريفًا بعدما علَّمه الأسماء كلها.

والقدرة على البيان قد يستخدمها الإنسان بالخير أو بالشر، وهذا كله من الخصائص الإنسانية اللصيقة، فإن نصر بها حقًّا ودحض بها باطلًا كان البيان هنا بالخير، وإن كان يتكلف ويتقعر ويسيئ ويداهن فإنه على باطل، وقد قال الصحابي الجليل كعب بن مالك: «يا رسول الله، لو كنتُ عند غيرك من أهل الدنيا لخرجتُ من سخطه بعذر، لقد أوتيتُ جدلًا»[1]، ومن القواعد الشرعية: (الأمور بمقاصدها)[2]، وهي مأخوذة من عدة أدلة، مثل الحديث الشريف: «إِنَّمَا الْأعمالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لَكلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[3].

واستخدام البيان في نصرة الحق وبيانه ودحض الباطل وخذلانه من عمل الخير بلا ريب، وقد استخدم رسول الله الخطابة والرسائل والشعر في نصرة الدين.

كما أن استخدام البيان فيما هو مباح لا حرج فيه؛ فالأصل في الأشياء الإباحة - كما هو معروف من القواعد الفقهية-.

والاتصال اللفظي يجمع بين الألفاظ المنطوقة والرموز الصوتية، فعبارة (أهلًا وسهلًا) مثلاً- التي هي في أصلها عبارة ترحيب- يمكن أن تصبح ذات مدلولات أخرى بتغيير نبرة الصوت.

ولا يخفى علينا أن هذا النوع من الاتصال لا يمكن أن يحدث بمعزل عن طرائق الأداء الأخرى غير اللفظية[4].

و يجب علينا ترشيد استخدام طبقات الصوت (هادئة أو حادة، حزينة أو فرحة، أو محايدة) بما يخدم هدف الحديث، وكذلك ترشيد طريقة النطق (سريعة، أو بطيئة)، وطريقة إلقاء السؤال (استفهام، استنكار، تعجب...)، حتى لو كان ذلك لألفاظ واحدة.

وكل هذا يحتاج لتدرب ولملاحظة الداعية لنفسه ومقارنته بغيره حتى تصبح تلك الأمور عادة.

والداعية الناجح هو الذي يحسن الاتصال بكافة أنواعه:

ففي الاتصال اللفظي يجب أن يتقن لغته، ويحسن استخدامها، ويعرف متى يُظهر الفصاحة والبلاغة (غالبًا عندما يكون بين المثقفين والبلغاء)، ويعرف كيف يستخدم اللغة وطريقة الخطاب في التأثير على العواطف.

ولا أحتاج هنا لأبين أن من يستخدم اللغة العربية الفصحى يجب أن يكون على دراية بعلومها، كالنحو والبلاغة والإعراب وفقه اللغة والمعاني؛ كي لا يكون كلامه أو أسلوبه منتقدًا.

ويجب أن يعرف الداعية متى يستخدم اللغة الميسرة الفصحى أيضًا (وهو ما يطلق عليه اللغة الإعلامية) وهي الموجهة للمتابع- قارئًا أو مستمعًا- المشغول أو سريع الملل أو متوسط الثقافة، ويستخدم الداعية هذا الأسلوب في أكثر الأحوال، لا سيما عندما يكون خطابه مختصرًا أو لا يضمن تفهم من يسمعه لما يريد إيصاله، فهو هنا يركز على تيسير المفاهيم والإقناع العقلي والتأثير العاطفي دون الخوض في اللغة المترفعة البليغة، ودون تنازل أيضًا عن الرقي في طريقة التناول.

وقد يستخدم تلك اللغة أيضًا إن كان هناك من يترجم له ترجمة فورية فإنه لا يضمن قدرة المترجِم على الفهم السريع للمفاهيم العميقة؛ فهنا يجب تيسير المفاهيم وتكرير المعاني.

وكذلك قد يستخدم لغة يسيرة دارجة- من غير إسفاف- إن كان بين بسطاء من الناس أو يريد التحبب إليهم بالحديث بلهجة محلية، ولقد استخدم رسول الله لهجات أقوام للتحبب إليهم، كقوله: «لَيْسَ مِنَ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ»[5]، مبدلًا اللام ميمًا، كلغة أهل اليمن، وتسمَّى في علم اللغة الطمطمانيَّة، ومن بقايا هذه اللهجة قولنا: امبارح، بدلًا من: البارحة.

ولقد لمست بنفسي كيف أن أحد الدعاة الناجحين الفصحاء جالَس قومًا من قبيلته وفيهم بداوة، فهنا وجدته يتكلم في درسه بلهجتهم وفيها كثير من الكلمات لم أعرفها وطرائق نطق تبدو غريبة على أذني، وفي الوقت نفسه: لمست أثر كلماته واستجابة الناس الفورية له وانبهارهم به؛ ما زاد من يقيني بأهمية أن يتقن الداعية لغة قومه؛ لتوظيف استخدامه وتطويعه اللغة في الاتصال، وصدق الله تعالى حين قال: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ } [إبراهيم: 4].

وهذه اللغة تقربه من مستمعيه إن أحسن استخدامها، وهنا يجب أن يكون على اطلاع واسع بمفاهيم تلك اللغة الدارجة؛ حتى لا يقع في إشكالية سوء الفهم بسبب سوء استخدامه للغة الدارجة.

في كل تلك الاستخدامات للغة نتجنب اللغة السوقية جزئيًّا وكليًّا؛ لأنه يستهجنها كثير من المتابعين، وهي بكل الأحوال لا تليق بالمحترمين من المتحدثين؛ لأنها تمثل صوارف عن التدبر في المعنى الآني للحديث، وهذا من التشويش على الرسالة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة