الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلمه ما لم يكن يعلم، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، الذي أرسله ربه بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
مقدمـــــة
أما بعد،
فإن من التقرب لله تعالى أن يتعلم الإنسان علم ما يتمكن به من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ فمن المعلوم أن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
والدعوة إلى الله تعالى واجبة على كل قادر عليها؛ فنحن أمة دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وقد كلفنا الله تعالى بما كلف به الأنبياء؛ قال تعالى: { قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف: 108]، وهذه خاصية تشريفية لهذه الأمة؛ فذِكْر أمر الدعوة تضمن الإشارة للأمة التي تتبع رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا.
ورسولنا ﷺ أكد هذا المعنى حين قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[1]، وهو يوجب التبليغ عن الله ولو بآية واحدة أو حديث واحد، حين لا يعرف المرء غيرهما..
وما دام البلاغ والدعوة -للمسلمين ولغير المسلمين- واجبة، فينبغي لنا أن نقوم بها، وأن نشجع الناس على الاستجابة لها؛ حتى تصل لكل بيت مدر ووبر.
وبخلاف ذلك، فإننا يجب أن نسعى للتأثير في واقع الحياة: بعقيدتنا، وبأخلاقنا، وبمعاملاتنا.. فإن لم نكن نحن الدعاة، فمن يخبر الناس بالخبر الصادق النافع؟ ومن ينمي ثقافتهم في مجالات الحياة النافعة؟ ومن يسعى لتعليمهم المفيد من الأمور؟ ومن يبصرهم بالمشكلات ويقترح عليهم الحلول؟.. من يدافع عن حقوق الإنسان ويلفت النظر لقضايا المستضعفين والمهمشين؟ ومن يبعد الناس عن الانحرافات ويحصنهم منها؟ ومن يرفه عنهم بطريقة مشروعة غير مسرفة؟.
ولا ريب أنه لا يمكن التأثير في جموع الناس في عصرنا إلا من خلال الإعلام؛ فالعمل الإعلامي غدا بابًا من أبواب التعاون على البر والتقوى المأمور به شرعًا.
وفي عصرنا هذا، ومع اتساع الرقعة المأهولة وتعدد ألسنة البشر وتنوع ثقافتهم؛ لا يمكن أن يتحقق هذا البلاغ والتبيين والتعاون والتثقيف والتغيير دون وسائل عابرة للقارات، مخترقة للحدود، متنوعة القدرات..
وهذا ما نطلق عليه بتعبيرنا المعاصر (وسائل الاتصال الجماهيرية)، ومعنى ذلك في حقيقة الأمر أنه ينبغي لنا الاستفادة من علوم الاتصال والإعلام المختلفة، النظرية والعملية؛ للتأثير في الحياة وضبطها وفق ما يحبه الله تعالى ويرضاه؛ فالقيام بواجب الدعوة أو بيان الحق والإرشاد النافع؛ يقتضي الاجتهاد في التعرف على طرائق إيصال تلك الواجبات بأفضل سبيل وبيانها بأحسن بيان.
وغير خافٍ أن رسول الله ﷺ كان يتخير من يحمل رسالته من صحابته، فيكلِّف بها أحسنهم منطقًا وأبرزهم بيانًا وأصبحهم وجهًا، بل كان ﷺ يتفاءل بالأسماء - وهذا من سبل التأثير-، ولك أن تتأمل في حال رجال من أمثال: مصعب بن عمير، ومعاذ بن جبل، ودحية الكلبي.. وغيرهم من المعلمين وحملة الدعوة، فقد كانوا يجمعون بين حسن المنطق وطلاقة اللسان وصباحة الوجه.
وكان كذلك يستنفر شعراء الدعوة وخطبائها؛ للبيان ورد الشبهات ومناجزة الأعداء، وللشعراء في حمل الدعوة والدفاع عنها شأن كبير في السيرة.
وامتدادًا لمنهج الإعلام في صورته البدهية الأولى: كان ﷺ يتوقف عن بعض الأمور خشية سوء تداولها وتشويه فهم الرأي العام لها؛ فهو ﷺ يراعي أحوال المخاطبين ويهتم بمدى تقبل الناس أو رفضهم للفعل، ومن ذلك قوله: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[2]؛ وذلك عندما أساء بعض المنافقين للإسلام ولشخص رسول الله ﷺ فاستحقوا العقاب الذي اقترحه بعض الصحابة.
ومثل ذلك: قوله ﷺ لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أساسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا»[3]؛ فخشي ﷺ من تأثير ما يستغربه الناس - مع حداثة عهدهم في الإسلام- على قبولهم للدين، وهذه المراعاة لحال المخاطبين من مهارات إيصال الرسالة الإعلامية- كما يعرفها الإعلام المعاصر-.
وكل ذلك بوجه آخر من أصول صناعة الرأي العام؛ من جهة إدراك سبل التأثير، وتمييز نوعية الجمهور، ثم كيفية مخاطبته، واستخدام أنسب السبل لخطابه والتعامل معه من جهة أخرى؛ وهذا كله من أسس الإعلام.
نخلص من ذلك: أن تعلم علوم الاتصال وأسس الإعلام مهم ومفيد للدعوة والدعاة، فهي علوم خادمة للدعوة ووسائل كبرى لا تنفك عن الدعوة..
فيمكن من وجه عدُّها كالعلوم الخادمة للشريعة، مثل: علوم الرجال، وعلوم اللغة العربية، ومن وجه آخر: تعد من وسائل الدعوة التي يتحقق بها كمال التبليغ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وهذا الكتاب، هو جهد -بحمد الله- كبير، حاولنا فيه إيصال مفاهيم أساسية في علوم الاتصال والتأثير؛ وما يتعلق بذلك من فنون مختلفة، كالإعلام، ومهاراته العملية ووسائله، واستهدفتُ فيه تقريب المفاهيم لكل راغب في تعلم تلك العلوم، بشكل مناسب يمكن تطبيقه بسهولة، سواءً من الدعاة- حيث هم الفئة المستهدفة من هذا الجهد-، أو من غيرهم من المهتمين.
ولقد عمدتُ في هذا البحث أن أطوِّف بما يحتاجه القارئ من معلومات وخبرات عملية كافة، من الصعب أن تجتمع بين دفتي كتاب؛ ليكون بها استغناء القارئ عن الغوص في بحار الكتب، وتسد حاجة أولية لمن لا خبرة له أو ممارسة..
فتم بحمد الله تعالى ما أردت، وخرج البحث في صورة أحسبها مفيدة، يحوي كل ما لا يمكن الاستغناء عنه من علوم الإعلام، وكثيرًا مما يحتاجه الراغب في الاستزادة.
ولقد قُسِّم البحث بابين، حوى الباب الأول فصولًا أربعة، وهو باب تأصيلي ضروري؛ ليستطيع الداعية فهم منطلقات العمل الإعلامي، وفهم أبعاد الخطاب الإعلامي الذي يقرأه أو يسمعه أو يشاهده، ثم ليكون عمل الداعية الإعلامي - بعد ذلك- مؤسَسًا على قواعد علمية، وقد تناولت في هذا الباب مقدمات في الاتصال والإعلام، واشتمل على أمثلة كثيرة تقرب المفاهيم العلمية النظرية.
وحوى الباب الثاني خمسة فصول، وقد تحدثت فيه عن الوسائل الإعلامية والجوانب المهنية الاحترافية، بشكل أكثر تفصيلًا، وبطريقة عملية حرفية تجمع بين الفكرة الأكاديمية العلمية والأمثلة التوضيحية، وتعطي خلاصة خبرات وتجارب يصعب أن تجتمع لإعلامي مبتدئ.
فتناول الباب الأول الفصول الآتية:
الفصل الأول: مفاهيم في الاتصال.
الفصل الثاني: مفاهيم أساسية في الإعلام.
الفصل الثالث: الإعلام الإسلامي، وضوابطه.
الفصل الرابع: الرأي العام.
وتناول الباب الثاني الفصول الآتية:
الفصل الأول: مفهوم المشاركة الإعلامية للدعاة ومجالاتها.
الفصل الثاني: الإعلام المكتوب.
الفصل الثالث: الإعلام المسموع والمرئي.
الفصل الرابع: الإعلام الإلكتروني والإعلام الجديد.
الفصل الخامس: الإعلام والمعلومات.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر الوافر إلى (مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي)، على انتباهه إلى أهمية هذا العلم في الدعوة، وتبنيه لهذا الكتاب ضمن مشروعه الرائد (مكتبة طالب العلم).
كما أتقدم بشكر خاص إلى (مركز الفتوح للمعلومات)، على ما قام به من جهد في إعداد وثيقة تأليف الكتاب، ثم مراجعة الكتاب وتدقيقه وتنسيقه وإخراجه، ليظهر بالصورة التي بين يديك.
والشكر موصول لكل من أعان على خروج هذا الكتاب للنور، وأخص منهم الزملاء والطلاب الذين أفادوني ببعض التعليقات والمراجعة واستخراج النصوص، ولكل من ساهم في طباعته وتوزيعه، ومن أشار بنصيحة أو قام بجهد أو تصويب أو مراجعة.. والقائمة كثيرة، فجزاهم الله تعالى جميعًا خيرًا وأجزل لهم العطاء.. ونسأل الله تعالى السداد والقبول.
وختامًا: نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن ينفع بهذا العمل كاتبه وقارئه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ، ،
وكتبه الدكتور ياسر محمد عبد التواب أستاذ الإعلام والخبير الإعلامي