حجم الخط:

[تعقيب]

وهذا لا يدل على نقص مكانة أو جاه أحد من الأنبياء أو الصالحين بوجه من الوجوه، ومن ظن ذلك فقد وهم، فمكانة الأنبياء والصالحين كبيرة، وجاههم عظيم، ولكن جاههم منزلة لهم، خاصة بهم، وهم يشفعون في حياتهم في الدنيا وفي الآخرة لمن شاءوا[1]، وليس هناك ما يدل على أن لغيرهم أن يتوسل إلى الله بذواتهم أو بجاههم[2]، وكذلك لا يجوز لأحد أن يقسم على الله في دعائه بأحد من خلقه؛ لأن القسم بغير الله لا يجوز أصلاً[3]، فكيف بمن يقسم به على الله تعالى[4]، وأيضاً لا يجوز لأحد أن يسأل الله بحق فلان؛ لأن الحق لله على العباد، وليس للعباد حق على الله تعالى إلا ما أوجبه تعالى على نفسه من نصرة المؤمنين ومن عدم تعذيبه للمخلصين، وإثابته لهم واستجابته لدعائهم[5]، وإنما يجوز أن يتوسل المسلم إلى الله تعالى بمحبته هو للأنبياء والأولياء والصالحين، ونحو ذلك من التوسلات الجائزة التي سبق ذكرها.

وليس للذين أجازوا التوسلات البدعية دليل صحيح يعتمد عليه، وقد احتجوا ببعض الأحاديث والآثار التي فيها الحث على التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه غيره من الأنبياء، ولكنها كلها موضوعة أو واهية[6]، لا يعتمد عليها، كما احتجوا بحديث أبي سعيد، والذي فيه التوسل إلى الله تعالى بحق السائلين، وبحق المشي إلى المسجد[7]، وهو حديث ضعيف، وعلى فرض صحته فإن حق السائلين هو الإجابة من الله تعالى[8]، وحق المشي إلى المسجد هو الإثابة من الله تعالى[9]، والإجابة والإثابة صفتان من صفات الله تعالى[10]، والتوسل إلى الله بصفاته من التوسل المشروع كما سبق بيانه.

كما احتجوا ببعض الأحاديث الصحيحة، ولكنها غير صريحة فيما ذهبوا إليه من جواز التوسل الممنوع[11].

بل إن أصح الأحاديث التي احتجوا بها يدل على تحريم هذا النوع من التوسل، وهو توسل عمر والصحابة بالعباس رضي الله عنهم[12].

ولما أعرض كثير من المسلمين عن التوسلات الشرعية التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم وقدموا عليها التوسلات البدعية، فدعوا الله تعالى بما لم يشرعه من التوسل المحرم، وكان بعضهم يذهب إلى القبر ويتوسل إلى الله بجاه أو بذات صاحب القبر، أدى ذلك بكثير منهم وبكثير ممن قلدهم واغتر بفعلهم إلى الوقوع في التوسل الشركي[13]، المخرج من الملة، فأصبحوا يدعون الأموات مباشرة، ويطلبون منهم جلب الخير ودفع الضر[14].

ولذلك كله ينبغي للمسلم البعد عن هذه التوسلات البدعية التي لم ترد أدلة صحيحة صريحة تدل عليها، والتي أعرض عنها جميع الصحابة والتابعين، وجزم بتحريمها جميع السلف وجميع أهل السنة والجماعة، والمسلم - الذي يحب الله تعالى ويحب نبيه صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحب نفسه - يقدم على هذه التوسلات المبتدعة الأدعيةَ الكثيرة الثابتة في كتاب الله تعالى وفي سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته - رضي الله عنهم ، فلا يزاحم الأدعية النبوية بهذه التوسلات، ولا يقدمها عليها، بل السلامة فضلاً عن رجاء الإجابة في الإعراض عن هذه التوسلات.

ثم إنه قد ثبت في السنة أن هناك أسباباً أخرى كثيرة لإجابة الدعاء[15]، وثبت في القرآن والسنة أن هناك أسباباً كثيرة لمغفرة الذنوب، وأن يحصل للإنسان ما أهمه، فيحقق الله له ما يرجوه من مرغوب ويدفع عنه ما يخشاه من مرهوب، ومن أعظم هذه الأسباب تقوى الله تعالى[16]، والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم[17]، فينبغي للمسلم أن يقدمها على تلك التوسلات البدعية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة