ولصحة هذه الأحاديث وتواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم وتنوع الوعـيد الوارد فيها[1] فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها[2].
كما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعاً أكثر من شبر[3]، أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما[4]، وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها[5].
كما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قـبر[6]، وقـال كثير منهم ببطلان هذه الصلاة، لأجل النهي عنها[7].
وأجمعوا على أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد[8]، وأجمعوا على وجوب إزالة المسجد المبني على القبر، أو إزالة صـورة القبر من المسجد، وصرح كثير منهم بوجوب إزالة كل بناء على القبور أو رفع لها[9].
وأجمعوا أيضاً على أن الذهــاب إلى القبور بقصد التعبد لله تعالى عندها، بالصلاة عندها أو إليها، أو للذبح لله عندها، أو دعاء الله تعالى عندها[10]، أو لغير ذلك من العبادات أن ذلك كله من البدع المنهي عنها[11].
وأجمعوا كذلك على أن الطواف بالقبور تقرباً إلى الله تعالى أو إلى غيره محرم[12].
وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن هذه الأمور كلها من كبائر الذنوب[13].
وحكى بعض العلماء من الحنفية وغيرهم الإجماع على أنه لا يستحب السفر من أجل زيارة القبر[14].
فيجب على المسلم الذي يريد لنفسه السلامة البعد عن هذه البدع المحرمة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وغلظ على من فعلها، كما ابتعد عنها جميع سلف هذه الأمة اتباعاً منهم للنبي صلى الله عليه وسلم، واجتناباً لما نهى عنه[15].
وعليه فمن أصر على فعل شيء من هذه الأمور المحرمة أو دعا إلى فعلها فقد عرّض نفسه لعقوبة الله في الدنيا والآخرة.
والبعد عن هذه الأمور التي حذر منها نبينا – عليه الصلاة والسلام – علامة على محبته صلى الله عليه وسلم، وفعلها محادة له – عليه الصلاة والسلام – ومخالفة لسنته ورد لها[16].
كما أن في فعل هذه الأمور المحرمة في السنة تقديم لأقوال المشايخ وعادات الآباء والأجداد على سنة الحبيب محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وفعل لما يبغضه عليه الصلاة والسلام أشد البغض، ولذلك حذر منه عند فراقه للدنيا أشد التحذير وغلظ على من فعله[17]، وعليه فمن فعل ذلك وأصر عليه بعــد علمه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، ولعنه لمن فعل ذلك عند فراق هذه الحياة لحرصه الشديد على بُعد أمته عنه، فذلك علامة على استهانته بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم مبالاته بمخالفتها، وهذا أكبر برهان على نقص محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، كما أن فعل ذلك من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في أصحاب القبور والتعلـق بـهم حتى يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة[18].
فيؤدي ذلك إلى أن يكون القبر وثناً يُعبد من دون الله[19].
ولذلك لما سَنَّ العُبيديون المنتسبون إلى التشيع في مصر وغيرها سنة سيئة؛ وذلك ببناء المساجد والقباب والمشاهد على القبور، وكانوا أول من أحدثها في ديار الإسلام[20] تقليداً لليهود والنصارى[21] انتشر وكثر الغلو في القبور.
ثم إنه لما تبع كثيرٌ من المسلمين العبيديين في بناء القبور، وجعلوا المقابر مكاناً للصلاة والدعاء[22]، أدى بهم ذلك إلى عبادة المقبورين من دون الله، فأصبحوا يستغيثون بهم، ويطلبون منهم كشف الكربات، وجلب النفع[23]، ويطوفون بقبورهم تقرباً إليهم، ويذبحون عندها تقـرباً إليهم، وهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة[24].
بل وصل الحال بسبب الغلو في القبور وتقديم الصدقات والقرابين لها أن قام كثير من المرتزقة والدجاجلة بإقامة مشاهد، وبناء مساجد على بعض القبور، وزعموا أن هذه القبور لبعض الأنبياء، أو لبعض الصحابة وآل البيت، كذباً وزوراً[25]، بل وصل الحال بسبب كثرة الكذب والدجل في ذلك أن جعل للحسين بن علي - رضي الله عنهما – ثلاثة قبور، وقد أجمع العلماء من أهل السير وغيرهم على أن القبر المنسوب إليه في القاهرة غير صحيح[26]، ووصل الحال أيضاً إلى أن جعل للجيلاني مائة قبر في العالم الإسلامي[27].
وهذا كله يُبيِّن خطر التساهل فيما حذرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منه ونهانا عنه، ويبين لنا أهمية التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يجب تقديمها على اجتهادات البشر وآرائهم، وما تميل إليه نفوسهم.
وبالجملة فإن من دعا الناس إلى الغلو في القبور فقد دعا الناس إلى خلاف ما دعا إليه رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وإلى خلاف ما دعا إليه جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، وقد دعاهم أيضاً إلى ما هو سبب في وقوعهم فيما يبغضـه النبي صلى الله عليه وسلم ويبغضه جميـع أولياء الله تعالى من الشرك والكفر، والذي أرسل جميع رسل الله تعالى من أجل محاربته[28].
بل إن من دعا الناس إلى الغلو في القبـــور قد دعاهم إلى أن يكونوا أعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع أولياء الله تعالى ومحاربين لطريقتهم، وهم يظنون أنهم يوالونهم[29].
والمسلم الذي يبتغي لنفسه النجاة من عذاب الله يجب عليه أن يختار طريق أنبياء الله وأوليائه على طريق من خالف دعوتهم وهو يحسب أنه يحسن صنعاً[30].
هذا، وهناك وسائل أخرى تؤدي إلى الشرك الأكبر غير هذه الوسائل الثلاث، يأتي بعضها عند الكلام على البدعة في الفصل الخامس من هذا الباب إن شاء الله تعالى.