ثالثًا: إطلاقات التخريج، والمراد به في هذا الباب:
للتخريج إطلاقان مشهوران عند المحدثين:
الأول: جمع الأحاديث المسندة وتصنيفها في الكتب، وهو مرادف لـ (التأليف).
وهذا هو الأصل في التخريج؛ ومنه قول الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله: (فأما ما كان منها -الروايات- عن قوم هم عِنْد أهل الحَدِيث متهمون ... فلسنا نتشاغل بتخريج حَدِيثهمْ)[1].
وهذا الإطلاق هو المقصود في استعمال المتقدمين، وكافة المصنفات التي تروي المتون بالأسانيد داخلة في التخريج بهذا الإطلاق؛ فإن المصنِّف بتدوينه أحاديثه في مصنَّف يخرج ويبرز وينشر الحديث للناس بعد أن كان حبيس محفوظه أو أصوله.
الثاني: عزو الحديث إلى مصادره الأصلية.
وهو المقصود -غالبًا- في إطلاقات المتأخرين والمعاصرين، وهو المستعمل في الدراسات الحديثة، والبحوث الأكاديمية في علم التخريج، وعليه استقر الاصطلاح، وجرى عليه العمل.
ومن ذلك قول الإمام السيوطي رحمه الله في خطبة الجامع الصغير: (وبالغت في تحرير التخريج)[2].
قال المناوي رحمه الله: (بمعنى: اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرِّجيها من أئمة الحديث؛ من الجوامع والسنن والمسانيد)[3].
وهذا العزو بديل عن الرواية بالإسناد وفرع لها؛ يقول الخطيب التِّبْرِيزي رحمه الله: (وإني إذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي ﷺ ؛ لأنهم قد فرغوا منه، وأغنونا عنه)[4].