ولو وازنًا بين التعريفين لاخترنا تعريفَ الفريقِ الثاني، ولكن يرد عليه اعتراضٌ لابدَّ من الاحتراز عنه. وهو: هل يخرج الإنسانُ من مرتبة التقليد إذا عَرف دليلَ المسألة، وإنْ لم يكنْ قادرًا على دفع الشُّبَه عن الدليل والجواب عن أدلة القول الآخر؟
فالظاهر من حال أكثر الأصوليين والفقهاء أنهم لا يُخرجونه عن مرتبة التقليد بمجرَّد معرفة الدليل. ولهذا يجب أن يزيدوا قيدًا فيقولوا: (أخذ مذهب الغير من غير معرفة رجحان دليله)، حتى يصدُقَ اسمُ المقلِّد على مَن لا يعرفُ رجحانَ الدليل، وإن عرف الدليل.
وهذه الزيادة لا بدَّ منها لمن لا يرى واسطةً بين الاجتهاد والتقليد.
وأما مَن جعل مرتبةَ الاتّباع واسطةً بين الاجتهاد والتقليد فلا تلزمهُ هذه الزيادةُ؛ لأنه ربما جعل مَن يعرف الدليلَ متّبعًا وليس مقلِّدًا، كما قال ذلك ابنُ حزم، وغيره.
والذي يظهرُ لي عدمُ جواز التسوية بين العاميّ الصِّرْف الذي لا يفقه الدليلَ حتى لو تُلي عليه، والمتعلمِ الذي يُمكنه معرفةُ الدليل ووجهُ دلالته، ولكنه لا قدرةَ له على ردّ أدلة القول المخالف أو لا علمَ له بها.
فالأول مقلِّدٌ، والأخيُر متَّبعٌ للدليل.
وعلى ذلك: فيمكن الأخذُ بتعريف الفريق الثاني للتقليد من غير زيادة.