والمراد به اتصال الاستثناء بالمستثنى منه لفظًا أو حكمًا.
والاتصال لفظًا يكون بعدم الفصل بينهما، والاتصال حكمًا يكون بوجود فاصل يسير لا يدل على انقطاع الكلام واستيفائه، كالفصل بسبب انقطاع نفس أو بلع ريق أو سعال ونحوه.
وقد اشترط هذا جماهير العلماء. واستدلوا على ذلك بأن تأخر النطق بالاستثناء دليل على أنه لم يكن مرادًا عند التكلم باللفظ السابق، والإرادة الطارئة لا تصلح مخصصة لما قصد عمومه.
وأيضًا فإنه لو جاز الاستثناء المتأخر لما حصل الوثوق بعهد ولا عقد، ولا حنث حالف قط، لأنه سوف يستثني من كلامه السابق ما شاء متى شاء.
ومن أدلتهم النقلية قوله ﷺ: «من حلف على يمين ورآى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» [رواه مسلم].
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أرشد الحالف إذا رأى الخير في مخالفة ما حلف عليه أن يكفر عن يمينه ويأتي ما حلف عنه، ولو كان الاستثناء المتأخر صحيحًا لأرشده إليه، ولم يرشده إلى التكفير؛ لأن الاستثناء أيسر على المكلفين، والرسول ﷺ ناصح أمين لأمته.
واستدل بعضهم على اشتراط الاتصال بأن الله أرشد أيوب عليه السلام إلى ضرب امرأته بعثكال النخلة بعد تجريده من التمر، فقال: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ ﴾ [ص:44] ولو كان الاستثناء المتأخر جائزًا لأرشده إليه، وروى الزركشـي عن أبي إسحاق الشيرازي قصة تتعلق بهذا الاستدلال[1].
· ونقل عن ابن عباس جواز الاستثناء المتأخر.
واختلف النقل عنه فقيل: يجيز تأخر الاستثناء شهرا أو شهرين، وقيل إلى سنة، وقيل مطلقًا. وتأوله القاضي أبو بكر بما إذا نوى الاستثناء عند كلامه الأول، ولكنه لم ينطق به إلا متأخرًا. وخصه بعضهم بكلام الله جل وعلا.
والنقل عن ابن عباس ثابت كما في المستدرك وغيره عن ابن عباس قال: «إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلى سنة. وإنما نزلت هذه الآية: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ [الكهف:24]، قال: إذا ذكر استثنى». وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين).
وقد ذكر الزركشي في المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصـر إسناد ذلك عن ابن عباس.