وحيث إن الأكثرين جعلوا مسألة اقتضاء النهي الفساد شاملة للمسألتين السابقتين فالواجب أن نفصل فيها على النحو التالي:
1- النهي عن الشيء لذاته: لا خلاف في أنه يقتضي البطلان، وقد يمثله الحنفية بالنهي عن بيع حبل الحبلة، وبيع الكلب، والخنزير، والنجاسات.
2- النهي عن الشيء لوصف ملازم: كالنهي عن صوم يوم العيد، وعن بيوع الربا. وهذا يقتضي الفساد عند جمهور العلماء.
وذهب بعض علماء الحنفية إلى أنه في هذا القسم يفرق بين العبادات وغيرها؛ ففي العبادات يقتضي الفساد، فصيام يوم النحر باطل باتفاق.
وأما المعاملات كبيع درهم بدرهمين، فهو عندهم بيع فاسد، ولكن يثبت به الملك مع التقابض.
فهم وإن سموه فاسدًا لكنه عندهم ليس بباطل كما هو عند الشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن الفساد عرض له لأجل الزيادة فلو ردت الزيادة لصح البيع.
والمالكية وافقوا الجمهور في القاعدة، ولكنهم في البيوع الربوية يرون ثبوت الملك بها في بعض الحالات كهلاك السلعة، وانتقال الملك وتغير الأسواق[1].
ومن علماء الحنفية من قال: إن هذا القسم لا يقتضي الفساد، لا في العبادات، ولا في المعاملات؛ بدليل أن نذر صيام يوم النحر ينعقد عند علماء المذهب، ولكن ليس له أن يصومه بل عليه أن يصوم يومًا مكانه، فلو صامه عصى وانحلّ نذره، ولا قضاء عليه عند أبي حنيفة خلافًا للصاحبين[2].
3- وأما القسم الثالث، وهو النهي المتعلق بأمر خارج عن المأمور به ذا صلة به من حيث كونه متعلقًا بشرط من شروطه الشرعية أو العقلية أو العادية، فهذا لا يقتضـي الفساد عند أكثر العلماء، ويقتضيه عند الإمام أحمد في رواية، وعند الظاهرية.
وقولهم: المنهى عنه لأمر خارجي: عبارة لا تصح إلا بشيء من التسامح؛ لأن النهي لم يتجه للمأمور به بل لما له تعلق به.
ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة، والوضوء بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، وتلقي الركبان لشراء ما معهم، فإن النهي في هذه المسائل انصب على الغصب، وعلى تلقي الركبان، وليس على الصلاة والوضوء والذبح والبيع.
والراجح فيما كان النهي فيه راجعًا إلى أمر خارجي أنه لا يقتضي فساد المأمور به، وإن كان متصلاً بشرط من شروطه كالصلاة في الدار المغصوبة، وفي الثوب الحرير للرجل، وفي الثوب المغصوب فالنهي عن الغصب في الأولى تعلق بشرط عادي، وهو أن العادة تقتضي بأنه لا بد للصلاة من مكان، فالمكان شرط عادي للصلاة، وقد تعلق به النهي، وفي الثانية والثالثة تعلق النهي بشرط شرعي، وهو ستر العورة.