الشرط الرابع: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه:
وقد اختلف في صحة الاستثناء من غير الجنس، ومحل الخلاف أنه هل يسمى استثناء حقيقة؟ وهل يصح في الأقارير والتصرفات؟
ذهب بعض العلماء إلى منعه، وحملوا ما جاء منه في القرآن والسنة على أنه مجاز، وأن (إلا) حينئذ تكون بمعنى (لكن)، فقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة:25-26]، وقوله تعالى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ ﴾ [النساء:29]، ونحوهما من الآيات تفسر (إلا) فيها على أنها بمعنى (لكن)، فتكون بمثابة استئناف كلام جديد ليس راجعًا إلى ما قبله.
وفي الأقارير والتصرفات جعلوه باطلاً لا يفيد شيئًا.
وذهب بعضهم إلى جوازه، وقليل منهم قال: إنه حقيقة، والأكثر على أنه مجاز، ولكنهم صححوه في الأقارير والتصرفات. ولهذا نقل عن الشافعي أنه لو قال: (له علي مائة درهم إلا ثوبًا جاز الاستثناء ويكون قد أقر بمائة إلا قيمة ثوب، فتقدر قيمة الثوب وتخرج عن الإقرار).
ونقل عن الإمام أحمد جواز استثناء الدراهم من الدنانير، فيقول: له علي عشـرة دنانير إلا خمسة دراهم، فيقبل الاستثناء.
وبذلك يتبين أن محل الخلاف الأصولي المثمر هو في قبول الاستثناء من غير الجنس في الأقارير والأيمان ونحوها من التصرفات.
· وأما تسميته استثناء حقيقة أو مجازًا فلا يتعلق به غرض الأصولي والفقيه.
فالذين منعوا قبوله حجتهم أنه مخالف للغة ولا يحمل عليه كلام العقلاء، وما وجد في القرآن من ذلك ليس استثناء وإنما هو استئناف كلام جديد جاء بلفظ (إلا) وهي صالحة للأمرين.
والذين أجازوه قالوا: لا نعاقب من خالف الفصيح في اللغة بإلغاء كلامه، وإنما نجعل العبرة بالمعنى المراد للمتكلم وإن كان كلامه ليس بفصيح.