حجم الخط:

محلُّ النزاع:

ظنّ بعضُ الأصوليين أن المقصودَ بالأصول مسائلُ الاعتقاد عمومًا.

والصوابُ: أن المرادَ الأصولُ التي يَدخل بها الإنسانُ في الإسلام، وهي: الإيمان بالله جل وعلا، واستحقاقُه العبادةَ وحده، والإيمانُ بصدق رسالة الرسول .

فهذه الأصولُ هي التي قال جمهور العلماء: إنها لا يجوزُ التقليدُ فيها، وإنما يجبُ على كلّ مسلمٍ أنْ ينظرَ في أدلّتها حتّى ترسخَ في قلبه، فلا يتزعزعُ إيمانُه بها لأدنى شبهة.

واستدلوا على ذلك بالآيات التي فيها ذمُّ التقليد، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ [البقرة:170]، وقوله تعالى في معرِض ذمّ المشـركين: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴿٢٣﴾ [الزخرف:23].

وحملوا هذه الآياتِ على ذمّ التقليد في أصل الإيمان.

واستدلّوا بدليلٍ عقليٍّ، وهو: أن المقلِّدَ إما أنْ يكونَ شاكًّا في صدق مَن قلّده أو متيقِّنًا صدقَه: فإنْ كان شاكًّا فلا يصحُّ إيمانٌ مع الشك. وإنْ كان متيقِّنًا: فإما أنْ يكونَ بناء على نظرٍ واستدلالٍ، أو بناءً على ثقته بمَن قلّده.

فإنْ كان بناءً على نظرٍ واستدلالٍ فهو قد استدلَّ، وليس مقلِّدًا.

وإنْ كان بناءً على ثقته بمَن قلّده وسكونِ نفسِه إليه، فما الفرقُ بين سكونِ نفسِه وسكونِ أنفُسِ المقلِّدين من النصارى إلى ما يقولُه القُسسُ والرهبانُ؟!

وقد خالف بعضُ العلماءِ في إيجاب النظرِ على الجميعِ، ظنًا منهم أن المطلوبَ الاستدلالُ على طريقة المتكلمين، وهذا ليس مرادًا عند المحقِّقين، وإنْ كان هناك مَن ظنّ أنه مرادٌ، حتى قال: مَن لم يعرفْ دليلَ التمانُع فلا يصحُّ إيمانُه!

والصحيحُ: وجوبُ النظرِ على القادرِ على ذلك، حتى لا يهتزَّ إيمانُه لأدنى شبهةٍ؛ لأن القادرَ على النظر إذا تركه كان مفرِّطًا في المحافظة على عقيدته من الزيغ والضلالة.

وليس المقصودُ المعرفةَ بدفع جميع الشُّبه في مجال الاعتقاد، وإنما المقصودُ النظرُ الدالُّ على وجود الله، ووحدانيته، واستحقاقِه للعبادة، وصدقِ الرسول .

أما بقيةُ مسائلِ الاعتقادِ فيكفي فيها التقليدُ كمسائل الفروع الآتي ذكرُها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة