والجواب عن أدلة المشترطين للقبول رواية اثنين كما يلي:
قياسهم الرواية على الشهادة لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، فالرواية خبر عام في الدين والشهادة إلزام لشخص بعينه فيتهم الشاهد الواحد بقصد الإضرار بالشخص المعين ولا يتهم الراوي المسلم العدل بالإضرار بالأمة عمومًا.
وشهادة العبد مردودة عند الجمهور وروايته مقبولة باتفاق. وشهادة المرأة مردودة في بعض الوقائع وروايتها مقبولة باتفاق.
وأما استدلالهم بما روي عن بعض الصحابة من طلب من يشهد للراوي الواحد فيجاب عنه بأنهم طلبوا ذلك لزيادة التثبت ولإشعار الناس بعظم الرواية عن النبي ﷺ حتى لا يتجرأ عليها كل أحد. وفي هذا يقول عمر رضي الله عنه لأبي موسى: «أما أني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد» [أخرجه أبو داود]، وأبو بكر رضي الله عنه قد يكون طلب من يشهد للمغيرة، لأن الله لم يذكر للجدة شيئًا حين ذكر أصحاب الفروض فلا بد من زيادة التثبت لتوريثها.
ومما يدل على أنهم لم يردوا خبر الواحد أنهم قبلوا أخبار الآحاد من غير أن تكون من رواية اثنين فأكثر، فقبل أبو بكر خبر: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» [أخرجه النسائي بهذا اللفظ ومعناه في الصحيحين]، وقبل عمر حديث عبد الرحمن بن عوف في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» [رواه مالك والشافعي والبيهقي، وهو معلول، ولكن قال البيهقي: إجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده] وقبل خبر توريث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وخبره في الحكم إذا نزل الطاعون بأرض، وخبر دية الجنين [أخرجه مسلم]، ونحو ذلك.
ثم إن خبر الاثنين كخبر الواحد لا يرتقي إلى درجة التواتر باتفاق المقسمين للخبر.