وجَعْل الفقه مما يستمد منه أصول الفقه مشكل؛ من جهة أن الفقه كما عرفوه هو: (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية) فلو كان الأصول مستمدًا من الفقه لما عرف إلا بعد معرفة الفقه، والحال أن الفقه لا يعرف إلا بعد معرفة الأصول فيكون دورًا ممتنعًا.
وعدل الآمدي وغيره إلى الاستعاضة عن الفقه بالأحكام الشـرعية، وأوضح أن المقصود تصوُّر تلك الأحكام ومعرفة حقائقها حتى يتصور إثباتها أو نفيها، ولا يقصد معرفة وجودها أو نفيها في آحاد المسائل؛ فإن هذا لا يعرف إلا بمعرفة أصول الفقه.
ومراد من عبر بالفقه: أن أصول الفقه يحتاج في إدراكه إلى إدراك أمثلة من الفقه يمثل بها لتتضح القواعد الأصولية، فالأصولي حين يتكلم عن طرق الدلالة يحتاج إلى ضرب أمثلة فقهية توضح مقصده، وإلا كان كلامه نظريًا يصعب استيعابه وفهمه، كما أنه لا بد له من معرفة معنى الأحكام الفقهية كالواجب والمندوب والحرام والمكروه.. إلخ؛ لأنه حين يقرر حجية السنة يقرر أن طاعة الرسول ﷺ واجبة، وأن معصيته حرام، ولا بد من تصور معنى الواجب والحرام، وهكذا سائر القواعد الأصولية.
وأما من جعل المستمد منه الأحكام الشرعية كالآمدي ومن تبعه، فمراده تصور معنى المحرم والمكروه والمباح والواجب والمندوب والصحيح والفاسد، ونحو ذلك من الأحكام.