وهو حالة تحصل للإنسان تغطي عقله فيضعف تمييزه بين الأشياء أو يذهب بالكلية.
· وقد اختلف العلماء في عدِّ السكر مانعًا من التكليف:
فذهب بعضهم إلى أنه ليس مانعًا وأن السكران مكلف، و استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ ﴾ [النساء:43] وجه الدلالة: أن الله نهاه حال سكره عن الصلاة، فدل ذلك على أنه أهل للخطاب.
واستدلوا أيضًا بأنه مرتكب لمحرم، فلا يكون ذلك سببًا في عذره، وإلا لجعله الناس ذريعة لارتكاب الجرائم؛ فيسكر ثم يقتل أو يزني أو يسرق.
وذهب آخرون إلى أنه غير مكلف؛ لأنه كالمجنون لا يعقل الخطاب.
وردوا على الاستدلال بالآية السابقة بأن المراد بها: لا تسكروا قرب وقت الصلاة حتى لا تدخلوا في الصلاة وأنتم سكارى، وقالوا: هذا نظير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٠٢﴾ ﴾ [آل عمران:102] أي: لا تفارقوا الإسلام حتى لا تموتوا على الكفر.
وفرق بعضهم بين أقواله وأفعاله وقالوا هو مكلف بالأفعال دون الأقوال فيؤاخذ على القتل والزنى وإتلاف المال ولا يؤاخذ على القذف والطلاق، ولا تنفذ عقوده.
وفرق بعضهم بين أن يكون السكر بقصد أو من غير قصد، فإن كان قاصدًا شرب المسكر فيؤاخذ وإلا فلا. والأولى أن يقال السكر درجات فقد يصل بالإنسان إلى حالة لا يعقل فيها شيئًا ولا يعرف طريقه، ولا يعرف أشياءه الخاصة كنعله وعمامته.
وهذا ينبغي أن يقال إنه يمنع التكليف إذا فسرنا التكليف بالخطاب بأمر أو نهي ولا يلزم من ذلك أن يعذر في أقواله وأفعاله المتعلقة بحقوق الآدميين بل يؤاخذ عليها، ويعاقب عقوبة الصاحي إن كان سكره باختيار ويؤاخذ المتسبب في سكره إن كان سكره بفعل غيره.
وأما إذا لم يبلغ به السكر هذا المبلغ فيكون مكلفًا بأقواله وأفعاله؛ لأنه يعقل الخطاب ويفهمه فصح خطابه. ولأن كثيرًا ممن اعتادوا شرب الخمر من الكفار والفساق لا يذهب عقولهم ولا يفقدهم التمييز فهم يقومون بأعمالهم التجارية والصناعية ويعقدون الصفقات الكبيرة وهم على هذه الحال.