· يُطلقُ التلفيقُ في الفقه وأصوله ويُرادُ به في الغالب: الإتيانُ في مسألةٍ واحدةٍ بكيفيةٍ لا تُوافقُ قولَ أحدٍ من المجتهدين السابقين.
وحين التمثيل للتلفيق المختلَفِ فيه يذكرون التلفيقَ الناشئَ عن الخلاف في شروط الفعل، أو في مبطلاته، ويعدُّون ذلك مسألةً واحدةً، مع إمكان أنْ يُقالَ إن كلَّ شرطٍٍ يُعدُّ مسألةً مستقلّةً.
مثاله: أن يتوضأ فيمسحَ على شعراتٍ من رأسه تقليدًا للشافعيّ، ويمسَّ امرأةً فلا يتوضّأُ تقليدًا لأبي حنيفةَ، ثم يُصلّي بهذا الوضوء.
فهذه الصلاةُ لا تصحُّ على مذهب أبي حنيفةَ؛ لعدم مسح ربع الرأس، ولا على مذهب الشافعيّ؛ لكون الوضوء عنده قد انتقض بلمس المرأة.
· ويُطلق التلفيقُ على أعمّ من هذا المعنى عند بعضِ العلماء، حيثُ أدخلوا فيه أخذَ المقلِّد في مسألةٍ بمذهب إمامٍ، وفي مسألةٍ أخرى بمذهب إمامٍ آخَرَ، حتى ولو لم يكنْ بين المسألتين تلازمٌ.
وهذا لا يُمكنُ منعُه، إلاّ على قول مَن يُوجبُ على المقلِّد الالتزامَ بمذهبٍ واحدٍ في جميع ما يفعلُ أو يتركُ. وهو قولٌ فاسدٌ لا دليلَ عليه، أوقع فيه الإفراطُ في التقليد.
وقد قام الإجماعُ في عهد الصحابة والتابعين على أن للمقلِّد أنْ يسألَ مَن شاءَ من العلماء، وأن مَن سأل عالمًا في مسألةٍ لا يُمنعُ من سؤال غيره في مسألةٍ أخرى.
· وقد يُطلَقُ التلفيقُ على أخذ المجتهد بقولٍ جديدٍ مركَّبٍ من قولين مختلفين في المسألة، وهو ما يُسمّيه بعضُهم: (إحداث قولٍ جديدٍ).
وقد سبق الكلامُ عن هذه المسألة في الإجماع، وبيانُ ما فيها من الخلاف.
· وقد يُطلَقُ التلفيقُ على فتوى المجتهد بقولٍ مركَّبٍ من قولين مع عدم اعتقاد رُجحانه، وإنما يُفتي به تخليصًا للمستفتي من ورطةٍ وقع فيها. وهذا يدخلُ فيما يُسمّى بـ (مراعاة الخلاف).
والصحيحُ: أن المجتهدَ إذا رأى أن هذا القولَ أرجحُ في حقّ هذا المستفتي مراعاةً ليُسر الشـريعة، ورفعًا للحرج، فيكونُ قد ترجّحَ عنده القولُ في هذه الصورة بخصوصها، وفتواه حينئذٍ صحيحةٌ.
وأما إذا كان يرى أن الصورةَ المعروضةَ عليه فيها قولٌ آخَرُ أرجحُ فليس له تركُه والفتوى بالمرجوح.
· أما التلفيقُ بالمعنى المشهور، وهو: (الإتيانُ في مسألةٍ واحدةٍ بكيفيةٍ لا يقولُ بها أحدٌ من المجتهدين السابقين)، فقد اختُلف في جوازه. وهو قد يقعُ من المقلِّد بقصدٍ أو بغير قصدٍ.
· فإنْ وقع بغير قصدٍ: فلا شكَّ في جوازه؛ للإجماع على أن له أنْ يعملَ برأي مَن استفتاه، ولا يمتنع أنْ يستفتيَ شافعيًا في الوضوء ويستفتي مالكيًا في نقض الوضوء، ثم يُصلي بوضوءٍ لم يُعمِّمْ فيه مسحَ الرأس ولا أكثره، وقد مسَّ امرأةً أجنبيةً.
· وأما إنْ كان التلفيقُ مقصودًا: فإما أنْ يحصلَ من مجتهدٍ أو مقلدٍ.
· فإنْ حصل التلفيقُ من مجتهدٍ فيفرَّقُ بين أنْ يرى رجحانَ القول الجديد المركَّب الذي أداه إليه اجتهاده إما مطلقًا أو في هذه الصورة التي استُفتي فيها، أو أنه لا يرى رجحانَه حتى في هذه الصورة.
· فإنْ كان يرى رجحانَ القول مطلقًا أو في هذه الصورة ففتواه صحيحةٌ على الراجح؛ لأن المسألةَ خلافيةٌ لا إجماعَ فيها.
· وإنْ كان لا يرى رجحانَه لا في هذه الصورة ولا مطلقًا ففتواه باطلةٌ.
· وأما إنْ حصل التلفيقُ المقصودُ من مقلِّدٍ فلا يصحُّ، لاحتمال أنْ يقعَ في مخالفةِ نصوصِ شرعيةِ من حيثُ لا يعلمُ. ولأن العملَ بقولٍ جديدٍ من غير استفتاءٍ عملٌ بالهوى والشهوة، وهو ينافي التدينَ.
وقد اشترط بعض العلماء لصحة التلفيق شروطًا، أهمها:
1- أن لا يخالف إجماعًا أو نصًا من كتاب أو سنة.
2- أن لا يكون بقصد التحلل من عهدة التكليف.