لقد خلق الله تعالى الإنسان وجَبَلَه على حب الجدل وحب الاقتناع، ولا يقتنع الإنسان غالبًا إلا إذا اقترن الأمر بالدليل، لا سيما إذا كان الأمر مخالفًا لمسلماته وثوابته؛ فأهم ما يُنجح الحوار التواصلي هو: الدليل الصحيح المقنع، وكما قيل: إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعيًا فالدليل، ولا يَحسن بالمحاور أن يستدل بأدلة ضعيفة أو حجج واهية، فدليلان قويان لا يمكن الرد عليهما أفضل من سَوقهما مع ثلاثة أدلة أخرى يمكن الأخذ والرد فيها؛ إذ ربما يستغلها الطرف الآخر، فيضعف الفكرة ويسيء إلى موقف صاحبها بسبب الأدلة الضعيفة.
وقد صرَّح القرآن الكريم بأن الإنسان مجادل بطبعه رغم وجود الحجج والبراهين الدامغة، والآيات الساطعة، والأمثلة المتعددة؛ كما قال تعالى: ﭽ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﭼ [الكهف:٥٤] ؛ أي خصومة ومماراة بالباطل؛ ﭽ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ﭼ [الأنفال: ٦]، لذا، كانت الحاجة ماسة لوجود الشخصيات المقنعة القادرة على تقديم الحجج والبراهين الموصِّلة للحق المزهقة للباطل.
وتلك السمة هي أهم صفات الشخصية المقنعة، وأهم مقومات التواصل الاجتماعي الناجح. وفي هذا وصف الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأنه برهان، وبه الناس يهتدون، وبهديه يقتنعون؛ فقال تعالى: ﭽ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﭼ [النساء: ١٧٤]. كذلك يعلمنا الله عز وجل كيفية الإقناع والاقتناع؛ وذلك بطلب الحجة والبراهين، حتى لو كان الأمر مما يُجادَل فيه. فقد خاطب الله عز وجل الكفار والمشركين -رغم علمه سبحانه بكذبهم وادعائهم- أربع مرات قائلاً: (قل هاتوا برهانكم)؛ وذلك في قوله تبارك تعالى: ﭽ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﭼ [البقرة: ١١١]، ﭽ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ﭼ [الأنبياء: ٢٤]، ﭽ أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿ ٦٤ ﴾ ﭼ [النمل: ٦٤]، ﭽ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﭼ [القصص: ٧٥].
ففي هذه النصوص: يأمر الله عز وجل رسوله محمدًا ﷺ بأن يطالب المشركين بتقديم برهانهم على ما يدَّعون سواء أكان هذا البرهان عقليًا أم نقليًا، وفي هذا إشارة إلى ضرورة الالتزام بالطرق المنطقية السليمة التي تقتضي: تقديم الأدلة المثبتة أو المرجحة للأمور المدعاة، وإثبات صحة النقل للأمور المنقولة المروية.
وهذان الأمران هما المقصودان بالقاعدة القائلة: (إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعيًا فالدليل).
وفي المقابل، عاب القرآن الكريم على من يرى الدليل ولا يقتنع عنادًا وكفرًا؛ قال تعالى: ﭽ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﭼ [الأنعام: ٢٥]، فهؤلاء يستمعون إلى الدعوة ولكن قلوبهم مغلقة، وآذانهم مسدودة، وليس لديهم من البراهين إلا القول: ﭽ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﭼ كفرًا وعنادًا.