لا يختلف اثنان أن من أهم الشرائح الدعوية المستهدفة شريحة الأسرة، وهم من أولى الناس دخولاً في النصوص الواردة والمرغبة في فضل الدعوة إلى الله، بل ربما دعوتهم أوجب من دعوة غيرهم؛ ولهذا جاءت النصوص الشرعية العظيمة في تعظيم حقهم من الدعوة إلى الله على الخصوص، وأنهم أولى الناس إنقاذًا من النـار؛ كما قـال تعالى: ﭽ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﭼ [التحريم: ٦]، كما أنهم أولى من سيُسأل عنهم المربي أو الراعي يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين، كما قال ﷺ: ?كلُّكم راعٍ فمسؤولٌ عن رعيتِه، فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ وهو مسؤولٌ عنهم، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِه وهو مسؤولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلِها وولدِه، وهي مسؤولةٌ عنهم، والعبدُ راعٍ على مالِ سيدِه وهو مسؤولٌ عنه، ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِه»[1]. وليس الأبعد بأولى من الأقرب، بل الأقرب أولى لعظم حقه وسهولة تبليغه، ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﭽ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﭼ [الشعراء: ٢١٤]، وهذا وإن كان خطابًا لرسول الله ﷺ، ولكن معناه يشمل الداعية إلى الله، فعليه أن ينذر الأقربين إليه، مبتدئًا بأفراد أسرته وأقاربه ومن يعرفه، ولا بد أن يعي الداعية أن مسؤوليته على أسرته تشمل القيام بشؤونهم المادية من توفير الطعام والشراب والسكن، ونحو ذلك من الأشياء المادية، كما تشمل شؤونهم الدينية؛ بتعليمهم ما يلزمهم من أمور الإسلام ودعوتهم إليه؛ قال تعالى مثنيًا على نبيه إسماعيل عليه السلام: ﭽ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ﭼ [مريم: ٥٥].
وعليه؛ فينبغي أن يستشعر الداعية إزاء أسرته أنه بين فرصة ومسؤولية؛ فالفرصة متمثلة بالأجور والحسنات المضاعفة، والدرجات العالية، والمقامات الرفيعة إزاء ما يقدمه من دعوة وإصلاح لأسرته يكون هو سببًا فيه. وفي المقابل عليه أن يستشعر أنها مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة؛ لا يجوز له أن يفرط فيها ويهملها، أو لا يحملها بحقها ولا يجعلها من أولوياته وأهدافه، فما بالنا بمن هو على العكس من ذلك: يهيئ لهم سبل الفساد ويذللها لهم ولا يبالي بانحرافهم وهلكتهم؟!