تعني القِدوة أو القُدوة: الأسوة بكل ما أو من يُقتدَى به. وهي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنًا وإن قبحًا، وإن سارًّا وإن ضارًّا؛ ولهذا قال تعالى: ﭽ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﭼ [الأحزاب: ٢١]، فوصفها بالحسنة. وتعرف القدوة أيضًا بأنها: حالة تَحمِل المقتدِي على التأثر بأخلاق القدوة (المقتدى به) وأعماله.
والقدوة نوعان: حسنة وسيئة؛ فالحسنة الاقتداء بأهل الخير والفضل والصلاح في كل ما يتعلق بمعالي الأمور وفضائلها من القوة والحق والعدل.
وقدوة المسلمين الأولى، صاحب الخلق الأكمل والمنهج الأعظم: رسولنا محمد ﷺ، وفي ذلك يقول الله عز وجل: ﭽ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﭼ [الأحزاب: ٢١].
ومن دقيق المعنى في هذه الآية الكريمة أن الله سبحانه جعل الأسوة في رسول الله ﷺ، ولم يحصره في وصف خاص من أوصافه أو خلق من أخلاقه أو عمل من أعماله الكريمة، وما ذلك إلا من أجل أن يشمل الاقتداء أقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله وسيرته كلها فيقتدي به، صلى الله عليه وسلم، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ويقتدي بأفعاله وسلوكه من الصبر والشجاعة والثبات والأدب وسائر أخلاقه، كما يشمل الاقتداء بأنواع درجات الاقتداء من الواجب والمستحب وغير ذلك مما هو محل الاقتداء.
والنوع الثاني: الأسوة السيئة: ويعني السير في المسالك المذمومة واتباع أهل السوء والاقتداء من غير حجة أو برهان ومن ذلك قول المشركين: ﭽ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﭼ [الزخرف: ٢٣]، ولهذا رد عليهم القرآن بقوله: ﭽ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ﭼ [الزخرف: ٢٤]. وفي آية أخرى: ﭽ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﭼ [المائدة: ١٠٤].
وبعد التعرف على مفهوم القدوة، وأنواعها، يأتي هذا المبحث ليوضح للداعية كيف يصبح قدوةً صالحة فيما يدعو إليه، فلا يناقض قولُهُ فِعلَهُ، ولا فعلُه قولَه. ولتجلية أهمية هذا الأسلوب النبوي التربوي للداعية وضرورته، يعرض المبحث الحالي للعناصر الآتية: