أنها تقدم للفرد والمجتمع حقائق الحياة:
تقدم القيم الإسلامية للفرد والمجتمع مجموعة من الحقائق المتعلقة بالله والكون والحياة والإنسان؛ فهي توضح للفرد أن الله واحد لا شريك له في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، متصف بجميع صفات الكمال والجمال، ما شاء كان، ومالم يشأ لم يكن؛ قال تعالى: ﭽ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﭼ [الشورى: ١١].
كما تبين القيم الإسلامية للإنسان أن الكون المشاهد والغيبي -بكل ما فيه من سماء وأرض، وكواكب ونجوم، ونبات وجمادات- هو داخل ضمن مخلوقات الله. وبما أنه كذلك فإنه منقاد ومسلِّم له سبحانه، كما أن الله سبحانه وتعالى سخَّره بكل ما فيه لخدمة الإنسان؛ بما وهبه من بصر وسمع وعقل يساعده على اكتشاف ما في هذا الكون من خيرات وقوى، واستثماره لنفعه.
وجاء تصور القيم الإسلامية للحياة تصورًا فريدًا شاملاً ومميزًا؛ فالحياة وفقاً لهذا التصور ليست تلك المدة المحددة التي تمثل عمر الفرد أو عمر الأمة، إنما تمتد طولاً في الزمان، وعرضًا في الآفاق، وعمقًا في العوالم، وتنوعًا في الحقيقة؛ تمتد في الزمان لتشمل الوقت المشهود: الحياة الدنيا، وتشمل الحياة الآخرة، وتمتد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض دارًا أخرى: جنة ونارًا، وتمتد في العوالم فتشمل هذا الوجود المشهود والوجود المغيب الذي لا يعلم حقيقته إلا الله، ومعنى ذلك أنه ليس هناك طريق مستقل للحياة الدنيا وآخر للآخرة، إنما هو طريق واحد تصلح به الدنيا والآخرة، والمنهج الإيماني للحياة لا يجعل الدين بديلاً عن الدنيا، ولا طريق الآخرة غير طرق الدنيا، لكن الأصل أن تلتقي فيه الدنيا مع الآخرة، وأن يكون الطريق إلى صلاح الآخرة هو ذاته الطريق إلى صلاح الدنيا، ومن ثم تجمع القيم الإسلامية بين العمل للدنيا والعمل للآخرة في توافق وتناسق؛ فلا يُفِّوت الإنسان دنياه لينال آخرته؛ ولا يُغْفِل آخرته لينال دنياه؛ فالعمل والإنتاج والتنمية فريضة الاستخلاف في الأرض، والإيمان والتقوى والعبادة والأخلاق تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع لتحقيق هذا المنهج في الحياة؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﭽ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﭼ [القصص: ٧٧].
والإنسان في نظر الإسلام أكرمُ الكائنات؛ كرَّمه الله سبحانه وتعالى، وخلقه في أحسن تقويم، وجعله خليفة في الأرض، وعلمه الأسماء كلها، وأمر الملائكة أن تسجد له، ولم يجعل واسطة بينه وبين الإنسان في دعائه ولا في عبادته، وزوَّده بأدوات العلم والتعلم، واختصه بالرعاية والتربية والهداية، وجعله كائنًا مخيرًا بعد ما نفخ فيه من روحه، وجعله مستعدًا لحمل الأمانة الكبرى؛ أمانة التكليف والمسؤولية، وجعل مصيره بيده بعد أن بيَّن له طريق الهداية والرشاد، إلى غير ذلك من مظاهر تكريم الإنسان.