حجم الخط:

ثالثًا: مقتضيات العبودية بين الرب والعبد:

العبودية هي أعلى مقامات المخلوق، ولذلك حينما نـادى الله سبحانـه وتعالى رسـولـه في مقـام الإسـراء -وهو مقـام عـالٍ- نـاداه بلفـظ العبودية؛ فقـال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١]، ومتى ما استشعر الداعية أنه عبد لله ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وإذا أهمله سيده وتخلى عنه هلك، فلم يؤوه أحد، ولم يعطف عليه أحد، بل يَضيع أعظم ضيعة؛ متى ما استشعر الداعية ذلك أضحى لسان حاله حينئذ يقول: اللهم إني لا غنى بي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به، وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده.

كما أنه متى ما التزم الذل والخضوع والإنابة إلى الله عز وجل وامتثل أمره، واجتنب نهيه وداوم الافتقار إليه، واللجوء إليه، والاستعانة به والتوكل عليه، وأدرك معنى قوله : ?ناصيتي بيدك»[1]؛ أي أنت المتصرف فيََّ، تُصرِّفُني كيف تشاء، فكيف يكون لي في نفسي تصرف؟! فمَن كانت نفسه بيد ربه وسيده، وناصيته بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه، وموته، وحياته، وسعادته، وشقاوته، وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه، ليس للعبد منه شيء، بل هو في قبضة الله عز وجل، وشهد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء، من كان هذا حاله واستشعاره لم يَخفْهُم بعد ذلك، ولم يرجهم، ولم يُنْزِلْهُمْ منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين، فمن شهد نفسه بهذا المشهد، صار فقره وضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا له، وهنا يستقيم توحيده وعبوديته وتوكله. ويكون بذلك قد حقق حق الله عليه من العبودية، ويكون قد أدَّى ما عليه من مقتضاها[2].

والله جل وعلا واسع الفضل، جزيل العطاء، إحسانه للمحسن أجل وأوفى؛ فهو جل وعلا يقول: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] فيكرم عبده الصالح بولايته، ويفيض عليه من هدايته ومحبته ورحمته ورزقه، ويملأ قلبه رضًا وتسليمًا لما يقضيه ويقدره، ويعطيه القوة على مجابهة الشدائد والمحن في الدنيا.


شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة