تثير كلمة (التربية) استفسارات عن طبيعتها وأهدافها وخصائصها؛ ومن ذلك سؤال: هل التربية علم يتمتع بقواعد وأسس معينة مثله في ذلك مثل أي علم آخر من العلوم؟ أم أنها فن من الفنون يجب تعلم المهارات الخاصة به حتى نتمكن من اكتسابها؟
والجواب أن الفارق بين العلم والفن فارق جوهري من حيث الدرجة والكيف والهدف؛ فإذا كان من أهم خصائص العلم: وجود قوانين تفسر العلاقات الدائمة بين الظواهر تجاه موضوع معين، فإن الفن تنحصر أهميته في تطبيق قواعد العلم وقوانينه. ومعنى هذا أن غاية العلم غاية نظرية تسعى إلى اكتشاف القوانين في مجال محدد، أما تطبيق هذه القوانين في مجال النفع البشري فليس من اختصاص العلم وإنما هو من اختصاص الفن الذي يسعى إلى التطبيق العملي للنظريات العلمية. فالعلوم التطبيقية هي بالتعبير المنهجي فنون عملية.
وتأسيسًا على هذا، ولما كانت التربية مرتكزة على قوانين وقواعد نظرية تحكمها من خلال التجارب التي يجريها الباحثون في المجال التربوي، فإنها من ثم يمكن أن تتمتع بخاصية العلم.
ومن جهة ثانية: تضم التربية مجموعة وسائل فنية ومهارات معينة تميزها وتخصص طبيعتها، كما أنها تسعى ضمن أهدافها إلى محاولة الاستفادة من النظريات والقواعد التي انتهت إليها الدراسات في الحقل التربوي؛ وذلك بمحاولة تطبيقها في الواقع حينما يمارس المربون وسائلها المختلفة من تهذيب أو تنمية أو تعليم أو تدريس، وهي من ثم تكتسب خاصية أخرى تجعل منها شيئًا متميزًا عن بقية العلوم الأخرى، وهي بهذا المعنى تكون فنًا.
ومن ثم يتضح أن التربية مكتسبة لخاصيتي العلم والفن معًا، وأنها تجمع بينهما في إضافة لا يمكن الفكاك منها.
ولمزيد من التأصيل لإضفاء صبغة العلمية على التربية، فإن هذا يستوجب الوقوف على أهم خصائص العلم الأساس، ثم تطبيقها على التربية للحكم عليها بصبغة العلمية.