أصول الفقه لابن مفلح - (ج: 4) - (ص: 1477 : 1485).
مسألة: يجوز الاجتهاد لمن عاصره - عليه السلام - عقلاً،
ذكره الآمدي عن الأكثر.
وخالف قوم واختاره أبو الخطاب .
ويجوز شرعا، ووقع ذكره في العدة والواضح وغيرهما وأكثر الشافعية.
ومنعه قوم مع القدرة، وذكره في مقدمة المجرد .
ومنعه قوم لمن بحضرته، وقاله ابن حامد ، زاد بعضهم: أو قريبًا منه.
وتوقف عبد الجبار فيمن حضر، وبعضهم مطلقًا.
والمعروف لغة: "لا هَا الله ذا " أي: يميني. وقيل: زائدة .
ونزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل - عليه السلام - إِليه، فجاء، فقال: (نزل هؤلاء على حكمك)، قال: "فإِني أحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم"، فقال: (قضيت بحكم الله) متفق عليه .
وجاءه - عليه السلام - رجلان، فقال لعمرو بن العاص؛ (اقض بينهما)، قال: "وأنت ها هنا يا رسول الله! "، قال: (نعم) وعن عقبة مرفوعًا بمثله ، رواهما الدارقطني وغيره من رواية فرج بن فضالة ،
ضعفه الأكثر .
ولأحمد الأول.
وله : أنه - عليه السلام - أمر معقل بن يسار أن يقضي بين قوم.
وله ولأبي داود وابن ماجه والترمذي -وحسنه-: أنه بعث عليا إِلى اليمن قاضيًا .
وسبق في الإِجماع خبر معاذ.
القائل بالأول: (فاعتبرو) .
رد: لا مع وجود اليقين، كنص مع قياس.
واحتج في العدة : يجوز ترك اليقين للظن، كمن أخبره بحضرته: يعمل به ويمكنه سؤاله؛ لفعل الصحابة، صح عن أسماء وغيرها.
أجاب في التمهيد : هو كمسألتنا. وسبق في [خبر] الواحد.
وقد يفرق بالمشقة، أو بحصول العلم للقرينة.
وأيضاً: كالغائب.
رد: بمنعه، ثم : للحاجة بتأخير الحق وفوته.
قالوا: كإِذنه وإقراره.
رد: لا يُقِرُّ على خطأ.
القائل بالثاني: قادر على اليقين، فهو كمن ببرية لا يدري أين يذهب، لا يجوز اجتهاده مع خبير يسأله، وكالحاضر.
وأيضًا: من باب التعاطي والافتيات عليه، وهو قبيح.
رد ذلك: بمنعه في غائب أو حاضر بإِذنه وإقراره، وبما سبق ، وبأنه كغير المعاصر.
والأشهر عن أحمد وأصحابه تكفير الداعية، وإلا فروايتان.
وكفره قول المعتزلة .
وفي الكفاءة من الفصول: لا يفسق غيره.
ولا يكفر المقلِّد في الأشهر عن أحمد وأصحابه، زاد القاضي -في شرح الخرقي-: ولا يفسق.
ولأحمد روايتان في كُفْر من لم يكَفِّر من كَفَّرْناه، زاد صاحب المحرر: لا يفسق . والله أعلم.
ويأثم عند المريسي وابن علية والأصم والظاهرية.
ولا يفسق عندهم، ذكره الآمدي وغيره، وذكر ابن برهان : يفسق.
لنا: إِجماع الصحابة والتابعين؛ فإِنهم اختلفوا في كثير [وتكرر] وشاع من غير نكير ولا تأثيم، مع القطع: لو خالف أحد في نحو أركان الإِسلام الخمس أنكروا، كمانعي الزكاة والخوارج.
ولا يأثم من بذل وسعه ولو خالف قاطعاً ، وإلا أثم لتقصيره.
التحبير شرح التحرير للمرداوي - (ج: 8) - (ص: 3911 : 3918).
(قَوْله: ) .
هَذَا حكم اجْتِهَاد غَيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي زَمَنه، فَاخْتَلَفُوا هَل يجوز ذَلِك عقلا أم لَا؟
فالجمهور على الْجَوَاز نَقله الْآمِدِيّ عَنْهُم؛ لِأَن ذَلِك لَيْسَ محالا، وَلَا مستلزما للمحال فَجَاز.
وَخَالف قوم فَقَالُوا: لَا يجوز عقلا، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب، قَالَه وَنَقله ابْن مُفْلِح فِي كِتَابه " الْأُصُول ".
لَكِن رَأَيْت أَبَا الْخطاب قَالَ فِي " التَّمْهِيد ": " مَسْأَلَة: وَلَا فرق بَين النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأمته فِي أَنه كَانَ يجوز لَهُ أَن يجْتَهد وَيحكم بِالْقِيَاسِ من جِهَة الْعقل.
وَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز ذَلِك عقلا.
ثمَّ قَالَ: لنا أَنه إِذا جَازَ أَن يتعبد غَيره بِالنَّصِّ تَارَة، وبالاجتهاد أُخْرَى، جَازَ أَن يتعبد هُوَ بذلك، وَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يحيله فِي حَقه ويصححه فِي حَقنا، وَلِهَذَا أوجب عَلَيْهِ وعلينا الْعَمَل على اجتهادنا فِي مضار الدُّنْيَا ومنافعها "، وَطول على ذَلِك، فَظَاهره أَنه نصر الْجَوَاز عقلا، خلافًا لما نَقله ابْن مُفْلِح فَليعلم. إِذا علم ذَلِك فَالْكَلَام فِي الْجَوَاز شرعا والوقوع.وَأما الْجَوَاز فَفِيهِ مَذَاهِب:
أَحدهَا: الْجَوَاز مُطلقًا، وَعَلِيهِ الْأَكْثَر، مِنْهُم: القَاضِي فِي " الْعدة "، وَابْن عقيل فِي " الْوَاضِح "، وَغَيرهمَا، وَأكْثر الشَّافِعِيَّة، والرازي، وَأَتْبَاعه، وَابْن الْحَاجِب، وَغَيرهم.
وَالْمذهب الثَّانِي: الْمَنْع مُطلقًا، وَإِن كَانَ النَّص لَا يضاد الِاجْتِهَاد، إِنَّمَا المضاد لَهُ القَوْل بِخِلَافِهِ من غير أَن يتَأَوَّل بِدَلِيل.
وَالثَّالِث: إِن ورد الْإِذْن بذلك جَازَ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ فِي " الرَّوْضَة ": " يجوز للْغَائِب، وَيجوز للحاضر بِإِذْنِهِ " كالحنفية.
وَالرَّابِع: [وَجوزهُ فِي " التَّمْهِيد " للْغَائِب، وَجوزهُ] إِن ورد إِذن صَرِيح، أَو يسمع حكمه فيقره لحاضر، أَو يُمكنهُ سُؤَاله قبل ضيق وَقت الْحَادِثَة، وَحَكَاهُ عَن الْحَنَفِيَّة.
وَالْخَامِس: يجوز للغائبين، وَتقدم كَلَام " التَّمْهِيد "، و " الرَّوْضَة " فِيهِ لتعذر سُؤَاله دون الْحَاضِرين لإمكانه فَهُوَ قدرَة على النَّص، وَالْغَائِب لَو أخر الْحَادِثَة إِلَى لِقَائِه لفاتت الْمصلحَة.
وَقد حكى الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور: الْإِجْمَاع على الْجَوَاز للْغَائِب.
وَقَالَ فِي " الْمَحْصُول ": إِنَّه جَائِز بِلَا شكّ.
وَجعله الْبَيْضَاوِيّ مَحل وفَاق، لَكِن الْمَشْهُور إِجْرَاء الْخلاف فِيهِ.
السَّادِس: إِن كَانَ الْغَائِب قَاضِيا: كعلي ومعاذ حِين بعثهما إِلَى الْيمن جَازَ لَهُ بِخِلَاف الْحَاضِر وَالْغَائِب إِذا لم يكن قَاضِيا، حَكَاهُ الْغَزالِيّ والآمدي.
قلت: أما بعث عَليّ وَأبي مُوسَى ومعاذ قُضَاة وحكاما فَالَّذِي نقطع بِهِ جَوَاز الِاجْتِهَاد، وَقد قَالَ معَاذ للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَيَأْتِي فِي الدَّلِيل على الْمَسْأَلَة.
وَأما الثَّانِي: وَهُوَ الْوُقُوع فَفِيهِ - أَيْضا - مَذَاهِب:
أَحدهَا: وَهُوَ الْأَصَح أَنه وَقع، وَسَيَأْتِي الْحَوَادِث بذلك.
وَالثَّانِي: أَنه لم يَقع، إِذْ لَو وَقع لاشتهر.
وَالثَّالِث: أَنه لم يَقع بَين الْحُضُور.
وَالرَّابِع: الْوَقْف، وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيّ وَنسبه للْأَكْثَر.
وَالْخَامِس: الْوَقْف فِي حق الْحَاضِر، وَأما الْغَائِب فَالظَّاهِر وَقع تعبدهم بِهِ وَلَا قطع.
اسْتدلَّ للْجُوَاز والوقوع: " بِأَن أَبَا قَتَادَة قَالَ للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَة حنين إِنَّه قتل قَتِيلا، فَقَالَ رجل: صدق، وسلبه عِنْدِي فأرضه فِي حَقه، فَقَالَ أَبُو بكر: لَا هَا الله إِذا لَا يعمد إِلَى أَسد من أَسد الله يُقَاتل عَن الله وَرَسُوله فيعطيك سلبه، فَقَالَ: صدق " مُتَّفق عَلَيْهِ.
وَالْمَعْرُوف لُغَة: لَا هَا الله ذَا، أَي: يَمِيني، وَقيل: زَائِدَة.
وَأَبُو بكر إِنَّمَا قَالَ ذَلِك اجْتِهَادًا، وَإِلَّا لأسنده إِلَى النَّص، لِأَنَّهُ أدعى إِلَى الانقياد، وَأقرهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على ذَلِك، وَإِذا ثَبت هَذَا فِي الْحَاضِر فالغائب أولى.
لَكِن قَالَ بَعضهم: هَذَا خبر آحَاد وَالْمَسْأَلَة علمية.
فَقَالَ الْهِنْدِيّ: " وَإِن كَانَت أَخْبَار آحَاد لَكِن تلقتها الْأمة بِالْقبُولِ، فَجَاز أَن يُقَال: إِنَّهَا تفِيد الْقطع ".
وَنزل بَنو قُرَيْظَة على حكم ابْن معَاذ، فَأرْسل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَيْهِ فجَاء فَقَالَ: " نزل هَؤُلَاءِ على حكمك، قَالَ: فَإِنِّي أحكم بقتل مقاتلهم وَسبي ذَرَارِيهمْ، فَقَالَ: قضيت بِحكم الله " مُتَّفق عَلَيْهِ.
وجاءه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رجلَانِ فَقَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ: " اقْضِ بَينهمَا، فَقَالَ: وَأَنت هُنَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم".
شرح الكوكب المنير لتقي الدين الفتوحي -(ج: 4) - (ص: 481 : 486).
"و" يجوز "اجتهاد من عاصره صلى الله عليه وسلم عقلا" عند الأكثر "وشرعا ووقع".
ذكره القاضي في العدة وابن عقيل في الواضح وغيرهما. وأكثر الشافعية والرازي وأتباعه وابن الحاجب وغيرهم.
وقيل: لا يجوز مطلقا.
وقيل: إن ورد الإذن بذلك من الشارع جاز وإلا فلا.
وقيل: يجوز للغائبين عنه دون الحاضرين، لقدرتهم على الوقوف على النص.
وقد حكى الأستاذ أبو منصور: الإجماع على جواز الاجتهاد في عصره صلى الله عليه وسلم للغائب عنه.
واستدل للجواز والوقوع بنزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فجاء فقال: "نزل هؤلاء على حكمك قال: فإني أحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فقال: قضيت فيهم بحكم الله تعالى" متفق عليه.
وجاءه صلى الله عليه وسلم رجلان فقال لعمرو بن العاص: "اقض بينهما" فقال: وأنت هنا يا رسول الله؟ قال: "نعم" وعن عقبة بن عامر مرفوعا بمثله رواهما الدارقطني وغيره من رواية [فرج] بن فضالة، وضعفه الأكثر.
ولأحمد أنه صلى الله عليه وسلم أمر معقل بن يسار أن يقضي بين قوم.
ولأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه أنه بعث عليا رضي الله عنه قاضيا.
المهذب في علم أصول الفقه المقارن - د. عبد الكريم النملة - (5/ 2333: 2336)
هل يجوز الاجتهاد في زمان - صلى الله عليه وسلم -؟
لقد - اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقا.وهو مذهب أكثر المحققين من العلماء كالغزالي، والآمدي، وفخر الدين الرازي، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وهو الحق عندي لما يلي من الأدلة: الدليل الأول: أن - صلى الله عليه وسلم - قد جاءه خصمان يختصمان فقال - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: " اقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أوْلى مني يا رسول اللَّه، قال: " وإن كان "، قال عمرو: فإن قضيت، بينهما فما لي؟ قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة " وهذا صريح في جواز الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الثاني: أن - صلى الله عليه وسلم - قال لعقبة بن عامر ولرجل من الصحابة: " اجتهدا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة "، وهو في معنى الدليل الأول.
الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ؛ حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم برأيه واجتهاده، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - له: " لقد حكمت بحكم اللَّه فوق سبعة أرقعة ".
وجه اجتهاد سعد - رضي اللَّه عنه - فيهم هو: أحد أمرين: إما أنه قاسهم على المحاربين الذين قال اللَّه تعالى فيهم: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) ، والجامع: الفساد في كل؛ وذلك لموالاتهم قريشاً في وقعة الأحزاب، ونقضهم عهدهم.
وإما أنه قاسهم على الأسرى الذين عوتبوا على فدائهم، وتبين أن قتلهم كان هو الحكم.
وهذا يدل على وقوع الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -، والوقوع دليل الجواز مطلقاً.
الدليل الرابع: أن بعض الصحابة - رضي اللَّه عنهم - يروي عن البعض الآخر الأخبار، والأحكام، والناسخ والمنسوخ، وكانوا يقبلون ذلك، ويعملون به، دون مراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو بينهم، فكذلك يجوز لهم الاجتهاد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - دون مراجعته، ولا فرق.
الدليل الخامس: أنه لا يلزم من فرض اجتهاد الصحابة في زمانه - صلى الله عليه وسلم - محال، ولا يؤدي إلى مفسدة، وما كان كذلك فهو جائز، فيكون الاجتهاد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - جائزاً.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم.
وهو مذهب بعض العلماء.أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن كثيراً من الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد رجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألونه عن حكم وقائع قد حصلت لهم، ولو كان الاجتهاد في زمانه - صلى الله عليه وسلم - جائزاً: لاجتهدوا واستنبطوا أحكام حوادثهم بأنفسهم، ورجوعهم إليه دلَّ على أن الرجوع واجب، فالاجتهاد حرام.جوابه: إن رجوعهم إلى - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأمور لا يدل على منعهم من الاجتهاد بالكلية، أو أنه حرام، بل رجوعهم إليه يحتمل عدة احتمالات هي: الأول: أنه يحتمل أنهم رجعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه الحكم بالاجتهاد.
الثاني: أنه يحتمل أنهم مخيرون بين الرجوع إليه، وبين الاجتهاد، فاختاروا الرجوع إليه.
الثالث: أنه يحتمل أن الذي رجع إليه لم تتوفر فيه شروط المجتهد.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
الدليل الثاني: أن الصحابة - رضي اللَّه عنهم - يمكنهم معرفة الحكم عن طريق الوحي الصريح القاطع بالحكم، وإذا كان يمكنهم معرفة الحكم معرفة قطعية، فلا يجوز ردهم إلى الاجتهاد المفيد للظن.
جوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الدليل منقوض بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه قد تعبَّد بالقضاء بقول الشهود، والحكم بظاهر أقوالهم حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم لتختصمون إلي ولكل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بنحو ما أسمع "، فهنا يقضي الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالظن، وكان يمكن نزول الوحي، ويبين الحق صريحا وواضحا وقطعياً في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن، وخوف الخطأ.
الجواب الثاني: أنه إذا نزل الوحي بالنص، وثبت فإنا نحكم به، ولكن إذا لم ينزل نص، فإنه يجوز الاجتهاد؛ لأن هذا الاجتهاد لا يضاد نصاً قاطعاً ثابتا.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الأول يجوز الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها، وهو على شاطئ البحر.
أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.
ويجوز - أيضاً - الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين.أما بناء على المذهب الثاني فلا يجوز ذلك.
الوجيز في أصول الفقه الإسلامي - د. محمد مصطفى الزحيلي - (2/ 349)
اجتهاد الصحابة في عصر النبوة:
اتفق العلماء على جواز اجتهاد الصحابة رضي اللَّه عنهم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه وقع فعلًا، ونقل عنهم بالتواتر المعنوي.
ولكن اختلف العلماء في جواز اجتهادهم في عصره - صلى الله عليه وسلم - على آراء، فقال بعضهم بعدم الجواز عقلًا، وبعضهم بعدم الجواز وعدم الوقوع، وقال الجمهور بالجواز للحاضر والغائب، وفصل بعضهم بالجواز للغائب، دون الحاضر، وهي مسألة تاريخية لا فائدة فيها الآن، ولذلك لا نتوسع فيها.
والراجح قول الجمهور بجواز اجتهاد الصحابة رضوان اللَّه عليهم في عصر النبي عليه الصلاة والسلام مطلقًا، وأنه وقع فعلًا، مع اليقين أن مصدر الأحكام في عصر النبوة محصور بالوحي، وبالتالي فإن اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم -أولًا كان تحت مظلة الوحي، وكان اجتهاد الصحابة موقوفًا على عرضه على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بإقراره، فيصبح سنة تقريرية متفقًا عليها، أو بردّه فيكون باطلًا باتفاق.
والأدلة على ذلك كثيرة، أهمها حديث معاذ السابق: "أجتهد رأيي ولا آلو" وحديث عمرو: "أجتهد وأنت حاضر"، واجتهاد عدد من الصحابة إما بطلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإبداء آرائهم، وإما بمبادرة منهم، ثم يعرضون آراءهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى في سلب الغنيمة، وفي التيمم، والصلاة، والقضاء وغيره.