حجم الخط:

. الآيات (56-63)

الآية (56-58): ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي: يَتَحَرَّجُون من فِعل ما تَفعلون، ومن إقراركم على صَنيعكم، فأَخْرِجُوهم من بين أظهركم فإنهم لا يَصْلُحون لِـمُجَاوَرَتكم في بلادكم. فعَزَمُوا على ذلك، فدمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها.

﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ أي: من الهالكين مع قومها؛ لأنها كانت رِدْءًا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رِضَاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تَدُلُّ قومَها على ضِيفان لوط، ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تَفْعَل الفواحش؛ تكرمةً لنبي الله لا كرامةً لها.

﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا أي: ﱡﭐ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ٨٢ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83،82]؛ ولهذا قال: ﴿ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ أي: الذين قامت عليهم الحجة، وَوَصَل إليهم الإنذار، فخَالَفوا الرَّسول وكَذَّبوه، وهَمُّوا بإخراجه من بينهم.

الآية (59-60): يقول تعالى آمرًا رسوله أن يقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على نِعَمِه على عباده، التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن يُسلّم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم؛ وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله الصلاة والسلام، هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد ورضي عنهم أجمعين، ورُوي نحوه عن ابن عباس. ولا منافاةَ، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن الله تعالى أَمَر رسوله ومن اتَّبَعه بعد ما ذُكِر لهم ما فَعَل بأوليائه من النَّجَاة والنَّصر والتَّأييد، وما أحَلَّ بأعدائه من الخِزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يُسَلِّموا على عباده الـمُصْطَفَيْن الأخيار. وقوله: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ؟! استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهةً أخرى.

ثم شَرَعَ تعالى يُبَيِّن أنه الـمُنْفَرِدُ بالـخَلْق والرِّزْق والتدبير دون غيره، فقال: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟! أي: تلك السموات بارتفاعها وصَفَائها، وما جَعَل فيها من الكواكب النيّرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة، والأرض باستفالها وكثافتها، وما جَعَل فيها من الجبال والأوعار والسهول، والفيافي والقفار، والأشجار والزروع، والثمار والبحور، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك. وقوله: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً أي: جعله رزقًا للعباد ﴿ فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ أي: بساتين ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ أي: منظر حَسَن وشَكْل بَهِيّ ﴿ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات شَجَرها، وإنما يَقدِر على ذلك الخالق الرازق، الـمُسْتَقِل بذلك الـمُتَفَرِّد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون.

﴿ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ؟! أي: أإله مع الله يُعْبَد، وقد تَبَيَّن لكم ولكل ذي لُبٍّ ممَّا يَعْرفون به أيضًا أنه الخالق الرازق؟! ومن الـمُفَسِّرِين من يقول: معنى قوله: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ؟! أي: أإله مع الله فَعَل هذا؟! وهو يرجع إلى معنى الأول؛ لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثَمَّ أحد فَعَل هذا معه، بل هو الـمُتَفَرِّد به. فيُقَال: فكيف تعبدون معه غيره وهو الـمُسْتَقِل الـمُتَفَرِّد بالخلق والتدبير؟! ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟! ﴿ أَمَّنْ في هذه الآيات كلها تقديره: أَمَنْ يَفعَل هذه الأشياء كمَنْ لا يَقْدِر على شيء منها؟! هذا معنى السياق وإن لم يُذْكَر الآخَر. ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أي: يجعلون لله عِدْلًا ونَظِيرًا.

الآية (61): ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا ؟! أي: قارَّةً ساكنةً ثابتةً، لا تَميد ولا تَتَحَرَّك لأهلها ولا تَرجِف بهم؛ فإنها لو كانت كذلك لَـمَا طاب عليها العيش والحياة، بل جَعَلَها من فَضْله ورَحمَته مِهادًا بساطًا ثابتةً لا تَتَزَلْزَل ولا تَتَحرك.

﴿ وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا أي: جعل فيها الأنهار العَذْبَة الطَّيِّبة.

﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ أي: جبالًا شامخةً تُرْسِي الأرض وتُثَبِّتُها؛ لئلا تَـمِيْدَ بكم، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أي: جَعَل بين المياه العَذْبة والـمَالحة حاجزًا، أي: مانعًا يمنعها من الاختلاط، لئلا يَفْسُد هذا بهذا وهذا بهذا؛ فإن الحكمة الإلهية تَقْتَضِي بقاء كلٍّ منهما على صفته المقصودة منه؛ ولهذا قال: ﴿ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ أي: فَعَل هذا؟! أو يُعْبَد؟ على القول الأوَّل والآخر؟! وكلاهما مُتَلَازم صحيح.

﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أي: في عبادتهم غيره.

الآية (62): يُنَـبِّهُ تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل كما قال: ﱡﭐ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 67] ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ أي: من هو الذي لا يَلْجَأُ الـمُضْطَر إلا إليه، والذي لا يكشف ضُرَّ الـمَضْرُورين سواه.

عن أبي تميمة الهجيمي، عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال: «أدعو إلى الله وحده، الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أي: يُخْلِفُ قَرنًا لِقَرْنٍ قبلهم وخَلَفًا لِسَلَف؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام:165]، وقال: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، أي: قومًا يَخْلُفُ بعضهم بعضًا. وهكذا هذه الآية: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أي: أمةً بعد أمة، وجيلًا بعد جيل، وقومًا بعد قوم. ولو شاء لأَوْجَدَهم كلَّهم في وقت واحد.

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ؟! أي: يَقْدِرُ على ذلك، أو إله مع الله يُعْبَد، وقد عُلِم أن الله هو الـمُتَفَرِّد بفعل ذلك؟! ﴿ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أي: ما أَقَلَّ تذكُّرهم فيما يُرشِدُهم إلى الحقِّ، ويَهدِيهم إلى الصراط المستقيم.

الآية (63): ﴿ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ؟! أي: بما خَلَقَ من الدلائل السماوية والأرضية؛ كما قال: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]. ﴿ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي: بين يدي السَّحاب الذي فيه مَطَر، يُغِيث به عباده الْـمُجْدِبين الأَزِلِين القَنِطِين ﴿ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ .